النهار

٢٣ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ مايو-٢٠٢٦       2640

بقلم ـ المستشار عبد الله بن محمد آل الشيخ

كم أشعر – كغيري – براحةٍ وطمأنينةٍ لا حدود لها… وأنا في  طيبة  الطيبة… المدينة المنورة..
وأكتب هذه السطور اليوم، وأنا زائرٌ لها في أيامٍ مباركة.. حيث تمتزج الروحانية بسكينة المكان ويشعر الإنسان وكأنه يخفف عن قلبه شيئًا من أعباء الحياة..
فما إن تقترب من المسجد النبوي الشريف.. حتى تدرك أن للمدينة حديثًا مختلفًا مع الأرواح حديثًا لا يُسمع بالأذن بل يشعر به القلب..
وكيف لا تُحب مدينةً قال عنها رسول الله ﷺ:
«اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبِّنا مكة أو أشد».
وقال ﷺ:
«المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون».
فمنذ فجر الإسلام لم تكن المدينة مكانًا عابرًا بل موطن هجرة ومنطلق رسالة وعنوان محبةٍ وطمأنينة، ومنها أشرق نورٌ غيّر وجه التاريخ.
ولعلّي أتذكر أولى زياراتي لها وكانت – فيما أذكر – في ستينيات القرن الميلادي، وأنا في تلك الفترة الإبداعية أمارس هوايتي الصحفية بشغف البدايات، وأحمل فضول الكلمة الأولى وحب المكان الأول..
كانت المدينة يومها مختلفةً في تفاصيلها، لكنها ذات المدينة التي نعرفها اليوم هادئة، مطمئنة قريبة من القلب..
الحرم النبوي الشريف بمساحته المحدودة آنذاك وصفوف المصلين التي تجمع القلوب قبل الأجساد وصوت القراءة ينساب في أرجائه بخشوعٍ يلامس الروح..
أتذكر كيف كنا – كغيرنا من زائريها – ننصت لتلاوات الأئمة وكان حينذاك صوت فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن صالح – رحمه الله وغفر له ولوالدي – الذي لا يزال صداه حاضرًا وكنا كغيرنا نعيش تفاصيل المكان ببساطته وجلاله..
وما المنطقة المركزية اليوم إلا صفحة متطورة من تاريخٍ طويل..
أتذكر الأسواق القديمة والباعة، وروائح القهوة والخبز والطيب المدني الأصيل والأكلات الشعبية التي صنعتها أيادٍ مدنية خالصة تحمل نكهة المكان وكرم أهله وتفاصيل البيوت القديمة التي ما زالت تسكن الذاكرة..
وبعد صلاة الفجر كانت للمقاهي الشعبية حكايةٌ أخرى.. لشرب الشاي المدني بالنعناع.
كانت جلساتٍ بسيطة وحديثٌ شيق عن المدينة وحاراتها القديمة وأسمائها، وحكايات البيوت والناس.. وكبار السن الذين كانوا يروون تاريخ المدينة وكأنهم يقرأون كتابًا مفتوحًا.
نمشي على الأقدام بلا عجلة وكأن الزمن نفسه كان يمشي معنا بهدوء المدينة وسكينتها..
واليوم.. وأنا أتجول في طرقاتها وأرى زائريها من مختلف أنحاء العالم، وأتابع ما وصلت إليه من تطورٍ وخدماتٍ ومشروعاتٍ كبرى أشعر أن المدينة تمضي بثقة نحو المستقبل دون أن تفقد روحها القديمة..
لقد شهد المسجد النبوي الشريف عبر العقود عنايةً كبيرة وتوسعاتٍ متتابعة، واهتمامًا مستمرًا من قيادتنا – أيدها الله – امتدادًا لنهجٍ بدأ منذ عهد الملك المؤسس – طيب الله ثراه – وصولًا إلى هذا العهد الزاهر..
الذي تشهد فيه المدينة المنورة مشروعاتٍ تطويرية كبرى وخدماتٍ متقدمة وتطويرًا للمواقع التاريخية واهتمامًا بالبنية التحتية، وجودة الحياة، وراحة الزائر والمقيم..
المدينة اليوم لا تحافظ على تاريخها فقط بل تبني مستقبلها أيضًا..
مدينةٌ تعرف كيف تحفظ روحها القديمة وهي تمضي بثقة نحو الغد..
أما أهل المدينة فلهم حديثٌ آخر..
فيهم يشهد ربّي طيب المكان، وهدوء الروح وكرم اللقاء، وبشاشةٌ تسبق السلام..
وكأن روح المدينة انعكست عليهم لينًا في التعامل وهدوءًا في الحديث وصفاءً يشعر به كل من زارها..
ومن عاش بينهم أدرك أن محبة المدينة لا تصنعها مشاريعها وطرقاتها فحسب بل يصنعها أيضًا أهلها الذين يحملون جمال المكان في أخلاقهم وتعاملهم..
ومع كل زيارةٍ لك  طيبة  الطيبة يزداد يقيني أن المحظوظ ليس فقط من زار المدينة بل من عاش فيها أو جعل الله له فيها بيتًا أو رزقًا أو ذكرى جميلة لا تُنسى..
المدينة المنورة ليست مجرد مدينةٍ في الجغرافيا..
إنها حالةٌ شعوريةٌ كاملة.. سكينةٌ تمشي على الأرض ومحبةٌ تسكن القلوب وذاكرةٌ كلما ابتعدت عنها اقتربت منك أكثر..
وسيظل للمدينة في القلب مقامٌ لا يزاحمه مقام..
ويكفيها فخرًا أنها مدينة رسول الله ﷺ، وأنها ما زالت إلى اليوم تصنع في الأرواح طمأنينةً لا تشبهها طمأنينة..
"يا طيبةَ الطيبِ يا نورًا نلوذُ بهِ
يبقى الحنينُ إليكِ العمرَ عنوانا
إن غبتِ عن أعينٍ يومًا فما غفلتْ
عنكِ القلوبُ.. وظلَّ الشوقُ سكّانا"
وسيظل أهل  طيبة  كما عهدهم الناس، وجهًا جميلًا لمدينةٍ عظيمة وامتدادًا لروحها النبيلة التي جعلت منها مكانًا إذا دخلته سكنت روحك وإذا غادرته.. بقي شيءٌ منه فيك.