النهار

٢٣ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ مايو-٢٠٢٦       2640

بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني

حين تتحول الأعمال الخيرية من مجرد جهود وقتية محدودة الأثر إلى منظومات إنسانية متكاملة تتحرك بعقل إداري واعٍ وروح اجتماعية نابضة بالإحساس بالآخرين، فإن المجتمع لا يكون أمام جمعية تؤدي دورًا بصورة نمطية، وإنما أمام تجربة وطنية عميقة تعكس مقدار النضج الذي وصلت إليه مؤسسات العمل الإنساني في المملكة العربية السعودية، وهذا ما يتجلى بصورة واضحة في استعدادات جمعية تراؤف بمحافظة حفر الباطن لموسم حج 1447هـ، إذ لا يمكن قراءة هذا الجهد على أنه مجرد ترتيبات لرحلة تنطلق نحو المشاعر المقدسة ثم تنتهي بعودة الحجاج؛لأن المشهد في حقيقته أكبر بكثير من فكرة الانتقال والسكن والتنظيم، فهو بناء متكامل لحالة إنسانية يشعر فيها الحاج بأنه محاط بعناية تبدأ قبل الرحلة بوقت طويل، وتستمر معه في كل خطوة، حتى يعود وهو يحمل في ذاكرته صورة مليئة بالرحمة والاهتمام والكرامة.

الجميل في هذه الاستعدادات أنها لم تعتمد على الأداء التقليدي الخالي من الحس الإنساني الذي يكتفي بإنجاز الحد الأدنى من الواجبات، وإنما جاءت بروح تعرف أن خدمة ضيوف الرحمن لا تحتمل العشوائية ولا الارتجال، ولذلك رأينا حجمًا واسعًا من العمل التنظيمي والتطوعي والصحي والإعلامي والاجتماعي، وكأن الجمعية كانت تبني منظومة متحركة تسير على الطريق بكل تفاصيلها الدقيقة، فالحافلات المجهزة، والفرق المرافقة، والخدمات التنظيمية، واللقاءات التوعوية، والاستعدادات الصحية، والتنسيق مع الجهات المختلفة، جميعها تكشف أن الأمر لا يتعلق برحلة عادية، وإنما بوعي مؤسسي يدرك أن الحاج يحتاج إلى الطمأنينة بقدر حاجته إلى الخدمة، ويحتاج إلى الشعور بالاحتواء بقدر حاجته إلى التنظيم.

وحين نقرأ عن مشاركة أكثر من مئة متطوع ومتطوعة في الإعداد والإشراف والدعم الميداني، فإننا لا نتحدث عن أعداد تُذكر داخل الجداول والتقارير السنوية، وإنما نتحدث عن صورة اجتماعية مدهشة تعكس التحول الكبير في ثقافة المجتمع السعودي، ذلك التحول الذي جعل العمل التطوعي جزءًا من الوعي الوطني الحديث، حيث أصبح الشباب والفتيات يشعرون بأن المشاركة في خدمة الآخرين ليست نشاطًا هامشيًا يمارس عند الفراغ، وإنما قيمة أخلاقية ووطنية تمنح الإنسان شعورًا عظيمًا بمعنى وجوده داخل المجتمع، ولذلك فإن هذه الطاقات التي تتحرك في خدمة الحجاج لا تصنع نجاح رحلة فقط، وإنما تصنع في الوقت ذاته مجتمعًا أكثر تماسكًا ورحمة وقدرة على إنتاج الجمال الإنساني في أنقى صوره.

أما الجانب الصحي في هذه الاستعدادات فيحمل دلالة حضارية عميقة؛لأن العناية بصحة الحاج ليست مجرد إجراء احترازي عابر، وإنما رسالة ضمنية تقول إن الإنسان في هذا الوطن يأتي أولًا، ولذلك فإن توفير التجهيزات الطبية والتنسيق مع الجهات الصحية والاستعداد للحالات الطارئة يعكس مقدار الحس الإنساني الذي تقوده المملكة في خدمة ضيوف الرحمن، فالحاج حين يشعر أن هناك من يهتم بسلامته وراحته وصحته منذ اللحظة الأولى، فإنه لا يشعر بأنه مستفيد من خدمة فقط، وإنما يشعر بأنه موضع عناية وتقدير واحترام.

كما أن الجانب الإعلامي الذي رافق هذه الجهود لا يمكن اختزاله في مجرد تغطيات ومنشورات وصور يتم تداولها؛ لأن الإعلام في هذا يؤدي دورًا أعمق من فكرة النقل، فهو يصنع وعيًا مجتمعيًا بقيمة العمل الخيري، ويقدم للناس نماذج مضيئة تجعل المجتمع أكثر إيمانًا بأن الخير ما زال حاضرًا بقوة، وأن خلف هذه المشاهد فرقًا تعمل بصمت طويل، وساعات مرهقة، وتفاصيل لا يراها الناس، ومع ذلك يستمر العطاء دون انتظار مقابل، وكأن الرسالة الحقيقية التي يريد هؤلاء إيصالها هي أن خدمة الإنسان تظل واحدة من أنبل صور الانتماء لهذا الوطن العظيم.

إن ما تقوم به جمعية تراؤف في حفرالباطن لا يمثل نجاح جمعية محلية فحسب، وإنما يمثل امتدادًا للصورة الكبرى التي صنعتها المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن، تلك الصورة التي جعلت العالم يرى كيف تتحول مؤسسات الدولة والقطاع غير الربحي والمتطوعون والكوادر الصحية والتنظيمية إلى قلب واحد يعمل من أجل راحة الحاج وكرامته وسلامته، ولذلك لم تعد خدمة الحجاج في المملكة مجرد مهمة وقتية تتكرر كل عام، وإنما أصبحت ثقافة وطنية راسخة، وحالة إنسانية تتجدد في كل موسم، وتؤكد أن هذه البلاد لا تكتفي باستقبال ضيوف الرحمن، وإنما تحيطهم بعناية تجعل الرحلة الروحية أكثر طمأنينة وراحة ودفئًا إنسانيًا.