بقلم- ياسين سالم
الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً منذ اليوم الأول، ومن يظن أن الدعم السريع مجرد مليشيا متمردة فاته أن يقرأ الخريطة، فما يجري على الأرض هو فصل من مشروع تفكيك متكامل تديره غرف عمليات خارجية وتُنفذه أدوات إقليمية بأموال وسلاح لا ينضب ،
الجيش السوداني اليوم لا يقاتل مليشيات حميدتي فقط، بل يقاتل تحالفاً من العواصم والمرتزقة والمصالح المتقاطعة التي تصب كلها في هدف واحد "إسقاط الدولة السودانية" وفتح البحر الأحمر، لأن سقوط الخرطوم يعني سقوط الجدار الأخير الذي يحمي العمق العربي الأفريقي معاً ،
السودان اليوم لا يواجه تمرداً معزولاً، بل مشروعاً إقليمياً تتداعى عليه عواصم وأدوات، من أديس أبابا التي فتحت مطاراتها للمسيرات، إلى نيروبي التي تحولت إلى منصة سياسية للتمرد، ومن أنجمينا التي صارت ممراً للسلاح، إلى جوبا التي توازن على الحبلين، ومن هرجيسا التي باعت موانئها في صوماليلاند لمشاريع التقسيم، وصولاً إلى ليبيا حيث صدّر حفتر المرتزقة، كلها حلقات في سلسلة واحدة يجمعها خيط ظاهر في تل أبيب،
والسؤال الذي يفرض نفسه على كل متابع ، ما الذي يدفع دولة بلا عمق تاريخي، ولا جغرافيا مهددة، ولا قضية وجودية، أن تترك تأمين مياهها وحدودها، وتستنفر كل أدواتها المالية والإعلامية والعسكرية لتفكيك دولة على بعد آلاف الأميال؟ حين تصرف الدولة الوظيفية ميزانيات حرب على خراب غيرها، وتترك أمنها الداخلي مكشوفاً للعلاقات المشبوهة والابتزاز، فاعلم أن القرار لم يعد قرارها، وأن الداعم الرسمي الإقليمي للتمرد ليس سوى مقاول من الباطن ينفذ أجندة أكبر منه ،
هذه الأمم لم تتداعَ على السودان صدفة، فالسودان هو الجدار الأخير في معادلة الإقليم، وإذا سقط اكتمل الطوق من البحر الأحمر إلى المتوسط، وتحقق الحلم الذي هندستهُ تل أبيب ونفذه الوكلاء، حلم تطويق الأمة وضرب عمقها الاستراتيجي ،
السودان يقاتل اليوم نيابة عن المنطقة كلها، وأمنه من أمن جواره ومستقبل استقرارها، ومن لم يدرك ذلك الآن سيدركه حين يصل الطوفان إلى بابه .