بقلم- عبد الله بن أحمد الزهراني
لم يسبق لي أن استمعت لأي بودكاست ولم تستهوني هذه البرامج يوما، ولم أشعر في وقت ما برغبة في الاستماع لها ولو من باب الفضول، إلا أن حضور المبدع عبد المجيد الزهراني في ضيافة المتألق خالد عون في بودكاست (ذا قال) كان استثناء حقيقيا يستحق التوقف عنده والتفرغ له والحضور بالحواس الخمس، فهنا منهل عذب فرات بواحة خصبة وسط مفازة الفضاء الرقمي التي تغص بالغث والسمين من بضائع جيدة وأخرى مزجاة، وقد سبق الحلقة من المغريات والتشويق ما يفرض نفسه.
وهذه المقالة فيها بعض الانطباعات كتبتها كمحب معجب لا كناقد متخصص، عن عبد المجيد الإنسان وعن شعره الفريد وتجربته التي لم تنل حقها من العناية رغم طول التجربة، إلا أن الإعلام الجديد بمختلف برامجه ومنصاته وسع الدائرة بعيدا عن المحسوبيات والعلاقات الشخصية وساوى في الفرص بين الجميع رغم تفاوت الجودة والتي تحكمها ذائقة المتلقي ووعيه، لا استبداد المنتج وأجندته.
عبد المجيد الإنسان بسيط منحاز للشارع حيث العفوية والبساطة هي السائدة فلا تكلف ولا تصنع ولا ادعاء ولا اقنعه، فعبد المجيد هو قصة القرية ببساطتها والحارة بتنوعها والشارع بتناقضاته، وحكاية المساكين بمعاناتهم وكدحهم، عبد المجيد الإنسان هو ذلك الشخص المتفاني لخدمة الآخر الوفي لمعارفه المسكون بهموم الناس وأوجاعهم، المؤثر على نفسه ولو هضم حقها.
وعبد المجيد الشاعر هو العبقري الذي يلتقط الكلمات المستهلكة والمتداولة بشكل يومي على السنة العامة في الحواري والمقاهي وعلى ألسنة النخبة في الصالونات والنوادي، لينسج منها عبارة شعرية متقنة الحبك رنانة الإيقاع بانورامية الصورة مذهلة الخيال تدهش المتلقي وتأخذ بتلابيب المستمع، فلا تكاد تصل الأذنين حتى تنساب في الروح لتلامس شيئا فتعلق بها. حيث يفرض النص سطوته ويحكم قبضته فيكون المتلقي أسيرا للإبداع.
عبد المجيد الشاعر هو مدرسة مستقلة نستطيع أن نطلق عليها (المدرسة المجيدية) أو (الشعر المجيدي) على وزن الريال المجيدي الذي كان عملة مهمة ذات قيمة وعلامة فارقة في عالم الاقتصاد والسياسة ولكن وما لبث أن توارى، ولكن الشعر المجيدي معدن نفيس يتجدد مع الزمن وتزداد قيمته، فالشعر المجيدي نسيج وحدة فهو السهل الممتنع بأسلوبه وإيقاعه، والصعب المتاح بمفرداته وعباراته، والمستحيل الممكن بصوره وخيالاته.
وبعد فقد انتهى البودكاست الذي كان عبارة عن ساعة ونصف من التنزه الفريد في روضة غناء انتشقنا من عبير زهورها وجنينا من رحيقها، ولكن لم يتم استخراج كل ما في الجعبة، وأكاد اجزم أن الكثير من الجمال توارى لضيق الوقت ولا زالت حديقة عبد المجيد الغناء تزخر بالكثير من الروائع ومنجمه مكتنز بالوفير من النفائس، ولعل في قادم الأيام من يأتي ليبحث بحثا محكما بأدوات النقد وميزان الأدب ليعطي هذه الشعر المجيدي ما يستحق وينصف هذه الشخصية الفذة.