النهار

٠٦ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ مايو-٢٠٢٦       4125

بقلم- الصادق جادالمولى 

في الحج تخلع المدن ثوب عادتها، وتدخل في معنى أرفع من عمرانها اليومي؛ فالطريق يصبح طمأنينة تمشي على الأرض، والإنارة عينًا ساهرة، والنظافة حفظًا لصحة الجموع، والرقابة عهدًا بين الخدمة والضمير، وكل تفصيل صغير يكتسب من قداسة الرحلة جلالًا خاصًا.

ومن هذا الباب تمضي وزارة البلديات والإسكان في موسم حج 1447هـ حاملةً نصيبها من شرف الخدمة، ومترجمةً عناية المملكة بضيوف الرحمن إلى عمل ميداني دقيق، وإدارة حاضرة، ومنظومة تشغيلية تعرف أن راحة الحاج تبدأ من الطريق، وتكتمل في المكان، وتظهر في كل مرفق يمس حاجته وسكينته.

في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، تمتد الجاهزية على هيئة مدينة عاملة لا تهدأ؛ أكثر من 22 ألف كادر ميداني، وما يزيد على 3 آلاف آلية ومعدة، وفرق طوارئ، ومختبرات ثابتة ومتنقلة، وشبكة طرق تتجاوز 73 مليون متر مربع، تسندها 123 جسرًا و44 نفقًا، وهذه الأرقام ليست زينة في بيان هي صورة الجهد حين يتجسد، وصوت الخدمة حين تتحول إلى أثر يراه الحاج في انسياب خطاه، وطمأنينة مقامه، وسلامة غذائه، ونظافة محيطه.

وتزداد الصورة اكتمالًا حين ننظر إلى أعمال النظافة والإصحاح البيئي وسلامة الغذاء؛ فهناك أكثر من 13 ألف عنصر نظافة، وأكثر من 400 عنصر للإصحاح البيئي، و380 مراقبًا للإعاشة وسلامة الغذاء، و5 مختبرات بطاقة تصل إلى 1300 عينة يوميًا، مع أكثر من 2800 زيارة رقابية كل يوم، وهنا تبدو الخدمة في معناها الأعمق والمتمثل في عين تراقب، ويد تنظف، وفريق يستجيب، ومختبر يحرس صحة الإنسان قبل أن تبلغ الخطر.

وفي المدينة المنورة حيث تهدأ الأرواح على مقربة من الروضة الشريفة، تنهض المنظومة البلدية بصورة أخرى من صور العناية؛ أكثر من 5 آلاف كادر بشري، وأكثر من ألف آلية ومعدة، و9 منصات إلكترونية تغطي مساحة تتجاوز 900 كيلومتر مربع، وتنتظم اللوحات الإرشادية، وصيانة الطرق، وتحسين الأرصفة والمسطحات، وفرق التدخل السريع، كأن المدينة تكتب للحاج رسالة صامتة مفادها امضِ مطمئنًا، فالخدمة أمامك، ومن حولك، وخلف خطاك.

إن ما تصنعه وزارة البلديات والإسكان في موسم الحج يتجاوز أداء الواجب الإداري إلى معنى حضاري أشمل؛ فالمملكة جعلت خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما عهدًا راسخًا، وصارت مؤسساتها تعمل في موسم الحج كجسد واحد، تتكامل فيه القطاعات الأمنية والصحية والخدمية والتنظيمية، حتى يغدو الحاج في قلب منظومة واسعة، لا يراها كلها، غير أنه يلمس أثرها في كل لحظة من رحلته.

وهكذا تتحدث الأرقام بلغتها، وتتحدث المدن بلغتها، وتتحدث الخدمة بلغتها الأصدق؛ لغة الطريق المهيأ، والغذاء الآمن، والمرفق الجاهز، والبلاغ المستجاب، والعين الساهرة، وفي ذلك كله تظهر وزارة البلديات والإسكان شريكًا أصيلًا في صناعة الطمأنينة، وذراعًا ميدانية في شرف الضيافة، ووجهًا من وجوه المملكة التي جعلت خدمة ضيوف الرحمن مبدأً ورسالةً، وامتدادًا لمكانتها في قلوب المسلمين.