النهار

٠٦ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ مايو-٢٠٢٦       5280

بقلم: محمد السويعي

شدّني مؤخرًا مقالٌ بديع للكاتب الدكتور عبدالله الكعيد المنشور في صحيفة الجزيرة بتاريخ 21/4/2026 بعنوان "تقلّص مساحة الحقائق". ليس فقط بسبب لغته الساخرة الأنيقة، بل لأنه لامس ذلك النوع من الشخصيات العربية التي تعيش على تضخيم الوهم حتى تُصدّقه هي أولًا قبل أن تحاول بيعه للآخرين. وبعد استئذانٍ أدبيٍّ من الكاتب، أحببت أن أقتبس جملته اللافتة "معالي البيه العربي" عنوانًا لهذا المقال، لأنها تصلح اليوم أكثر من أي وقت مضى لوصف جيلٍ جديد من صُنّاع الأوهام الرقمية الذين وجدوا في الذكاء الاصطناعي كنزًا مجانيًا لصناعة البطولات المزيفة.
في زمنٍ مضى، كان الكذب يحتاج إلى موهبة. أما اليوم، فيكفي هاتف متوسط الجودة، واشتراك رخيص في أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقليل من الوقاحة، ليصبح أحدهم فجأة محلل استراتيجي، أو مراسل حربي، أو قائد ميداني، أو حتى شاهد عيان على أحداث لم يقترب منها يومًا، إلا بقدر اقترابه من شاشة هاتفه. أصبح البعض يصنع صورةً لنفسه وسط الدخان والنيران، ويضيف خلفه دبابة محترقة، ثم يكتب بكل ثقة "من قلب الحدث".

بينما الحقيقة الوحيدة في الصورة أن الرجل لم يغادر غرفة نومه، وربما ما زال يرتدي الفانيلة الداخلية أسفل تلك السترة العسكرية التي ألبسه إياها الذكاء الاصطناعي.
أما الفيديوهات، فحدّث ولا حرج. طفلٌ يبكي في مكانٍ ما، يُقصّ، ويُركّب، ويُعاد نطقه، ثم يُلبس قضيةً لا يعرفها، ويُطلق إلى المنصات باعتباره دليلًا قاطعًا.

وعلى الجانب الآخر، جمهورٌ لا ينتظر التحقق، بل يتسابق إلى إعادة النشر، وكأن التفكير لم يعد جزءًا من تجربة المشاهدة.
المثير للسخرية أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتزييف الواقع، بل يغضبون إن شككت بهم.

فإذا قلت لأحدهم إن الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، اتهمك بالخيانة، أو الجهل، أو العمالة، وكأنك لم تشكك بصورةٍ مزيفة، بل أنكرت إحدى معجزات التاريخ العربي الحديث.
ما يحدث اليوم ليس مجرد إساءة استخدام لتقنية، بل تحول في طريقة التعامل معها.

الذكاء الاصطناعي، الذي وُجد ليكون أداة معرفة وإبداع، أصبح عند البعض مجرد "مكياج حضاري" يخفي فراغًا معرفيًا عميقًا.

بدل أن يُستخدم للتعلم أو التطوير، صار وسيلة لصناعة جماهير وهمية، وانتصارات كرتونية، ومشاهد درامية أقرب إلى المسلسلات الرديئة منها إلى الواقع..
والمفارقة المؤلمة أن السذج دائمًا جاهزون. هناك دائمًا من سيصفق، ويهتف، ويشارك المقطع قائلًا: “شوفوا كيف فضحهم!”، دون أن يكلّف نفسه عناء البحث أو التحقق. وكأن الحقيقة أصبحت عبئًا ثقيلًا لا يناسب عصر التمرير السريع.
الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على توليد صور شديدة الإقناع، ومقاطع صوتية تحاكي البشر بدقة، وفيديوهات مزيفة تُعرف باسم "التزييف العميق" وهي تقنية حذرت منها جهات بحثية وتقنية عديدة بسبب استخدامها في التضليل الإعلامي والخداع السياسي والاحتيال الرقمي.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في التقنية نفسها، بل في ذلك "معالي البيه العربي" الذي وجد أخيرًا آلةً تنتج له أوهامه بالجملة، وتمنحه بطولات جاهزة دون تعب، ومشاهد نضالية دون قضية، وجماهير افتراضية تهتف له من خلف الشاشات.

هذا "المعالي" الجديد لا يريد الحقيقة أصلًا، لأنه يدرك أن الحقيقة متعبة، بطيئة، وتحتاج إلى إنجاز حقيقي. أما الوهم الرقمي، فهو أسرع، وأرخص، ويمنح صاحبه شعورًا لحظيًا بالعظمة، ولو كان عظمةً مصنوعة بخوارزمية.
قد ينجح الذكاء الاصطناعي في تزوير صورة، أو تقليد صوت، أو صناعة مشهد كامل، لكنه لا يستطيع تزوير الوعي عند الإنسان الذي يفكر، ويتحقق، ويسأل قبل أن يصفق.

أما من قرر أن يسلّم عقله لأول فيديو مثير، فسيظل فريسةً مثالية لكل "معالي بيه عربي" يبحث عن جمهور يصدق المسرحية، ولو كانت رديئة الإخراج.