النهار

٢٥ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ ابريل-٢٠٢٦       5005

بقلم - د. علي بن  عالي  السعدوني 

لا تُقرأ وقائع التعيين والإعارة داخل بعض الجامعات قراءةً منقطعةً عن سياقها، لأن الإطار الذي تتحرك فيه هذه الوقائع ليس فراغًا إداريًا، بل منظومةٌ تأسست في ظل رؤية 2030  على مبدأٍ حاسم: أن الصلاحية لا تُمنح إلا لتُمارَس داخل معيار، وأن القرار لا يكتسب شرعيته من موقع مُصدِره، بل من قابلية تفسيره وفق قواعد معلنة، ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل لدينا نظام؟ بل: هل يعمل النظام بكامل أدواته حين تُتخذ القرارات؟
من هذه الزاوية تحديدًا يتبدّى موضع الاضطراب، إذ لا يظهر الخلل في صيغة القرار، بل في منطقه الداخلي؛ فانتقال معلمٍ يحمل درجة البكالوريوس من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة عبر الإعارة، ثم تكليفه بمنصب مدير الإعلام والهوية المؤسسية، لا يمكن ردّه إلى حركةٍ وظيفية عادية، لأن هذا الموقع بحكم طبيعته يستلزم خبرةً تخصصية في الاتصال المؤسسي، وقدرةً على بناء الصورة الذهنية، وفهمًا دقيقًا لخطاب الجامعة بوصفه امتدادًا لمكانتها العلمية، لا مجرد نشاطٍ إداري، فإذا شُغل بغير هذه الشروط لم يكن الخلل في الشخص، بل في المعيار الذي سُوِّغ به الاختيار، إذ جرى عمليًا استبدال مقتضى التخصص بمقتضى التيسير.
ويتكرر البناء نفسه في حالة المشرف التربوي الذي نال الدكتوراه من خارج البلاد، ثم أُعير  في زمنٍ وجيز  إلى عملٍ إداري في قطاع تقنيات الجامعة، حيث تبدو الشهادة حاضرةً في الاسم، غائبةً في الوظيفة، فلا هي أُدرجت في مسارٍ أكاديمي يُختبر فيه البحث والتدريس، ولا هي وُظِّفت في مجالٍ يستثمر تخصصها، وبذلك لا يُهمَل المؤهل فحسب، بل يُعاد تعريفه على نحوٍ يُفرغه من غايته، وكأن القيمة العلمية تُستدعى لتبرير الانتقال، لا لتحديد وجهته.
وإذا أُضيف إلى ذلك أن الحالتين تعملان داخل الجامعة في مواقع إدارية، مع بقائهما على سلم رواتب المعلمين، اتضح أن الإشكال يتجاوز خطأ التكليف إلى اضطراب التوصيف، إذ لا يستقيم أن تتبدل طبيعة العمل ومسؤولياته دون أن يتبدل إطارُه الوظيفي، لأن هذا الانفصال بين الدور والتوصيف يكشف أن القرار لم يُبنَ على تصورٍ مؤسسي متكامل، بل على معالجةٍ جزئية لاحتياجٍ طارئ، وهو ما يخلخل الاتساق الذي يفترض أن يربط بين الوظيفة ومقتضياتها.
وعند هذا الحد يتماسك الخيط التحليلي: فالرؤية2030 قررت الحوكمة، والحوكمة تعني ضبط الصلاحيات وربطها بالمعايير، لكن التطبيق  في هذه الصور  كشف فجوةً بين الصلاحية والمساءلة؛ لأن الصلاحية حين تُمارَس دون مراجعةٍ مستقلة تفقد خاصية التوازن، فلا تُلغى القاعدة نصًا، بل تُعطَّل أثرًا، وتبقى المعايير مكتوبةً، بينما يسير القرار في اتجاهٍ آخر، وفي هذا لا يكون الانحراف صريحًا، بل صامتًا يتسلل عبر الاستثناء حتى يكاد يغدو مألوفًا.
وليس أخطر من هذا الصمت إلا أثره التراكمي؛ لأن الاستثناء إذا تكرر اكتسب صفة القاعدة، وحينها لا يُمسّ حق فردٍ بعينه، بل يُعاد تشكيل تصورٍ عام يرى أن الطريق المستقيم لم يعد وحده كافيًا، وأن التخصص ليس شرطًا حاسمًا، وأن الشهادة يمكن أن تُستخدم لتزيين القرار لا لتوجيهه، وهذه النتيجة وإن نشأت من وقائع محدودة إلا أنها تضرب في عمق فكرة الجامعة بوصفها ميزانًا للعدل العلمي.
ومن ثمّ فإن تحميل الرؤية وزر هذه الممارسات خلطٌ في موضع العلّة؛ لأن الرؤية إنما وُضعت لمنع مثل هذا الخلل، لا لتبريره، والخلل إنما ينشأ حين ترتخي أدوات الضبط، وتغيب الرقابة التي تُعيد القرار إلى مساره إذا مال، فالصلاحية في ذاتها ليست إشكالًا، بل الإشكال في انفرادها دون ما يوازنها، إذ تتحول من أداة تمكين إلى منفذ استثناء، ومن وسيلة تسريع إلى طريق اختصار.
 إن ميزان الاستحقاق لا يختل لغياب المعايير، بل لضعف ما يحرسها، وأن الجامعة لا تُختبر بسلامة نصوصها، بل بصرامة تطبيقها، فإذا استقام الربط بين القرار ومعياره، والصلاحية ومساءلتها، عاد لكل موقعٍ معناه، ولم يعد الاستحقاق محتاجًا إلى من يدافع عنه؛ لأنه سيكون ظاهرًا في كل اختيار، ومفهومًا في كل تعيين.