النهار

٢٢ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ ابريل-٢٠٢٦       14850

بقلم- غازي العوني

ربما يحتاج الفكر في هذا العصر إلى وقفة تأمل، إلى استخلاص العبر من قرن كامل من التجارب المريرة التي مزقت الخريطة الإنسانية قبل أن تمزق الخرائط الجغرافية.

قرن تقاسمته ثنائية صارمة: فكر يمين محصور في سجن ذاته، يخشى التغيير ويقدس الماضي حتى لو كان ركامًا، وفكر يسار متذبذب تحت إرادة وهم، يجري خلف الشعارات ويتبدل مع كل موجة دون جذور راسخة.

فقد أصبحت تلك الصور تخوض معارك عبثية على فكر منحرف عن جوهره.

تارة تنحاز لليمين فتضيق على الإنسان مساحة حريته، وتارة تنحاز لليسار فتفرغه من معانيه وقيمه.

والنتيجة واحدة: إنسانية لم تعرف أمنًا ولا استقرارًا، لأنها وقعت بين مطرقة الجمود وسندان التشتت.

_الإنسان رهينة الثنائية_  
بين فكر إنسان ما زال رهينة هواه وهمه، قد تجد نفسك وحيدًا في زحام الضجيج.

لا تعرف كيف تخاطب هؤلاء، ولا بأي لغة تتحدث معهم، فتضطر إلى الصمت حين تهتز كل القيم والمبادئ، وتضطرب كل الأفكار من حولك في زلازل فكرية تهدد وجود كل إنسان على الأرض.

فاليمين المتطرف يحول الهوية إلى قفص، واليسار المتطرف يحول الحرية إلى فوضى.

وكلاهما ينسى أن الإنسان لا يعيش بالهوية وحدها، ولا بالحرية وحدها، بل يعيش بالتوازن بينهما.

التوازن الذي يجعل من الكرامة جسرًا، ومن العدل سقفًا، ومن الرحمة أرضًا صلبة يمشي عليها.

_فرصة أخيرة على طاولة واحدة_  
ولكن ما زالت هناك فرصة، ربما تكون الأخيرة، في عالم اجتمع لأول مرة في التاريخ على طاولة واحدة.

عالم لم يعد فيه مكان للعزلة، ولا جدوى من الانغلاق.

فالتكنولوجيا قربت البعيد والاقتصاد ربط المصالح، والمصير المشترك فرض نفسه على الجميع.

ومع ذلك، ما زال هذا العالم يعيش على بقايا أفكار عقيمة تحارب وجودها بنفسها.

أفكار تستهدف تدمير فكرها الحضاري تحت شعارات براقة من اليمين واليسار.

فهي تمارس الانحراف نحو اتجاهات خطيرة، في خروج صريح عن ذلك الطريق الواسع الذي يمتلك سعة الفكر ورحابة الأفق.

ذلك الطريق الذي لا يرى الإنسان ككتلة صوت انتخابية، ولا كرقم في معادلة اقتصادية، ولا كأداة في صراع أيديولوجي.

بل يراه ككائن حر، مسؤول، قادر على التفكير بمنطق "نحن" لا بمنطق "هو وهم".

بمنطق التعاون لا التنازع، وبمنطق البناء لا الهدم.

_نحو معادلة فكرية جديدة_  
فربما يتغير الفكر إلى معادلة فكرية أخرى، بعد تجارب مريرة أثبتت فشل الثنائيات المطلقة.

معادلة لا تنتمي إلى اليمين ولا إلى اليسار، بل تنتمي إلى الإنسان.

معادلة تعيد للفكر طريقه الواسع، وتحرر العقل من سجن الشعارات، وتحرر القلب من سجن الخرافات، وتحرر الضمير من سجن الانحرافات.

معادلة تقوم على أن القيم لا تتجزأ، وأن المبادئ لا تُساوم، وأن الحقيقة لا تُحتكر.

معادلة تجعل من الحوار جسرًا لا ساحة قتال، ومن الاختلاف ثراءً لا سببًا للعداء، ومن التعايش السلمي غاية لا وسيلة.

إن بقاء الإنسان رهينة لصراع لا ينتهي هو انتحار جماعي بطيء.

أما تحرره فهو بداية لعصر جديد، عصر يفكر فيه الإنسان في مصلحة الإنسان، ويبني فيه الإنسان للإنسان، ويحمي فيه الإنسان.

فإما أن نخرج من سجن اليمين واليسار إلى فضاء الإنسانية الرحيب، وإما أن نبقى ندور في دوامة لا تنتهي، حتى تبتلعنا الزلازل التي صنعناها بأيدينا.

خاتمة
نحن: الفكر المتزن
هو: الفكر المتسلط 
هم: الفكر المتحزب