النهار

٢١ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ ابريل-٢٠٢٦       4015

بقلم ـ عبدالمحسن محمد الحارثي

في قصة سورة البقرة ؛ لم تكن المعضلة بقرةً تُذبح، بل عقلاً يهرب من الحقيقة إلى التفاصيل. 
وقع القتل، واضطرب القوم، فكان الحلّ مباشرًا: أمرٌ إلهي بسيط على لسان موسى. 
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن بحثًا عن الحق بقدر ما كان التفافًا عليه؛ سلسلة من الأسئلة التي لا تُقرّب الحل، بل تُؤجّله.

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾

كان الأمر واضحًا… لكن الوضوح لا يُغني عن إرادة التنفيذ.

هذه القصة ليست ماضياً يُتلى، بل نمطًا يتكرر في حياتنا اليومية. 
في واقعنا الاجتماعي، كم قضيةٍ تُستنزف في النقاشات الإعلامية ومجالس الناس، تُفصَّل فيها الجزئيات، وتُستعرض فيها الآراء، بينما جوهر المشكلة باقٍ بلا حسم؟
نرى ذلك في قضايا العمل حين تتكدّس الاجتماعات بلا قرار، وفي قضايا الأسرة حين يتضخّم الخلاف ؛ لأن الأطراف تناقش التفاصيل وتترك أصل النزاع، بل وحتى في الفضاء الرقمي حيث تتحول القضايا الكبرى إلى جدلٍ لا ينتهي.

يقول عمر بن الخطاب:
“أخوف ما أخاف عليكم: جدال المنافق بالقرآن”
لأن الجدل إذا انفصل عن طلب الحق ؛ صار وسيلة تعطيل لا وسيلة هداية.

في المؤسسات الحديثة ؛ قد تُعطّل معاملة لأن موظفًا يبحث في “النموذج الصحيح” بدل حلّ حاجة المراجع، وقد يتأخر مشروع لأن الفريق يناقش السيناريوهات المحتملة دون أن يبدأ. 

وفي العلاقات ؛ كم بيتٍ تصدّع لأن الزوجين تنازعا على “كيف قيلت الكلمة” بدل “لماذا قيلت”!

ويُقال في الحكمة:
“إذا كثر الجدل ؛ قلّ العمل”

اللافت في القصة ؛ أن المطلوب لم يكن مستحيلاً، بل صار كذلك بسبب التشدد المتكلف. 
وكلما زاد السؤال الذي لا يُراد به الفهم ؛ ضاق المجال واتسعت الكلفة.

﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾
صورة بليغة: القدرة حاضرة… لكن الإرادة مترددة.

ثم تأتي لحظة الحقيقة، حاسمة بلا ضجيج:

﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ﴾

كأن الرسالة تمتد إلى واقعنا: الحلول لا تحتاج كل هذا الالتفاف، بل تحتاج شجاعة الفعل.

المشكلة الحقيقية ليست في كثرة الأسئلة، بل في نيّتها. 
حين تتحول الأسئلة إلى وسيلة هروب ؛ يصبح العقل خصمًا للحقيقة.

قال علي بن أبي طالب:
“الحق لا يُعرف بالرجال ؛ اعرف الحق تعرف أهله”
لكننا كثيرًا ما نفعل العكس: ننشغل بمن قال، ونغفل عمّا قيل.
وخيرُ مثال في هذا ؛ حينما يقع الخطأ ، ويأتي من يقول : من الذي بدأ ؟ وهُنا تتّسع دائرة الالتفاف ؛ لتقول : أنتم لا تريدون الحق ، بل تعملون إلى تسطيحه وتعويمه ، بل تهميشه. 

نحن اليوم بحاجة إلى ثقافة تُعيد ترتيب الأولويات:
أن نُقدّم الجوهر على الهامش، والفعل على الجدل، والحسم على التردّد.

وفي الأثر:
“هلك المتنطعون”
أي الذين يُغالون ويُعقّدون ما لا يحتاج تعقيدًا.

في النهاية ؛ القصة ليست عن بقرة، بل عن مجتمعٍ يضيع منه الحق حين يُؤجَّل.

وها هنا يصدح صوت الحكمة شعرًا، كأنه يُلخّص المشهد:

قال أحمد شوقي:
وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا

فإذا ذهبت أخلاق الحسم والصدق مع الحقيقة، بقيت الأجساد وتاهت المقاصد.

إذا قدّمنا التفاصيل ؛ سنُتقن وصف البقرة، ونفشل في كشف القاتل.
وإذا قدّمنا الحقيقة ؛ قد نُخطئ في بعض الأوصاف، لكننا سننقذ العدالة من الضياع.

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

فالعبرة ليست أن نفهم القصة ، بل أن لا نُعيدها.