عبدالله الكناني

١٨ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : عبدالله الكناني
التاريخ: ١٨ ابريل-٢٠٢٦       2310

بقلم :عبدالله الكناني 


تشهد الساحة الاجتماعية، ولا سيما في الجانبين الثقافي والإعلامي، خلال السنوات الأخيرة، تصاعدًا ملحوظًا في استخدام الألقاب المهنية والعلمية دون سند حقيقي، حتى تحولت لدى بعض الأفراد إلى وسيلة للوجاهة الشكلية، لا انعكاسًا للكفاءة أو التأهيل. 
ولم يعد مستغربًا أن تتصدر أسماءٌ بصفات مثل “كاتب”، أو “شاعر”، أو “روائي”، أو “إعلامي"أو مستشار”، بل و“خبير استراتيجي عالمي”، في ظل غياب الحد الأدنى من التجربة أو الاعتراف المهني.

تكشف هذه الظاهرة عن إشكال يتجاوز حدود المبالغة الفردية، إذ تمسّ جوهر المصداقية المهنية، وتؤثر في ثقة المجتمع، وتخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص،كما تسهم في تقديم نماذج زائفة للأجيال، تُسوّق النجاح بوصفه مظهرًا يُكتسب، لا جهدًا يُبذل.

يتقاطع هذا المشهد مع معادلة دقيقة بين حرية الفرد في التعريف بنفسه، وخطورة الانزلاق إلى دائرة التضليل،فحين تُستخدم الألقاب دون استحقاق، أو تُروَّج شهادات فخرية وزمالات غير معترف بها، يتجاوز الأمر حدود الحرية إلى الإضرار بالمصلحة العامة، خاصة إذا ترتب عليه تحقيق مكاسب وظيفية أو التأثير في الرأي العام.

الكثير منا يدرك أن هذه الممارسات تنعكس سلبًا على المجتمع والقطاع المهني، إذ تُضعف الثقة في الألقاب الحقيقية، وتبخس جهود المؤهلين، وتخلق بيئة تنافس غير عادلة،كما تسهم في تراجع جودة المحتوى الإعلامي والثقافي، نتيجة تصدّر غير المختصين للمشهد، واضطراب معايير التقييم والتمييز،كما يمتد الأثر الأخطر إلى وعي الأجيال، حين تُرسّخ هذه النماذج مفهومًا مضللًا للنجاح قائمًا على التمظهر لا الإنجاز. 
و نتأمل مع اتساع المنصات الرقمية، وإتاحة تطبيقات وطنية مثل توكلنا لعرض السير الذاتية والبيانات والمؤهلات الحقيقية، وهنا تبرز الحاجة إلى ضبط هذا المحتوى وتدقيق معلوماته ، ليكون مرجعية موثوقة تعكس الحقيقة، وتحدّ من محاولات التمظهر أو تسويق الوهم.

وقد خطت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام خطوات مهمة في تنظيم المهن الإعلامية، من خلال وضع أطر مهنية ومعايير تتطور وتتحدث ، بما يسهم في حماية الممارسة الإعلامية من العبث، ويرتقي بجودة المحتوى. كما أسهمت الجهات التعليمية والرقابية في فترات سابقة في كشف المؤهلات الوهمية والتنبيه إلى مخاطرها، وهو دور يستدعي الاستمرار والتطوير في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.

وفي هذا السياق، تتطلب المرحلة الراهنة معالجة هذا السلوك – إن لم يُعد ظاهرة – من خلال تكاملٍ مؤسسي وتشريعي، يقوم على تطوير أنظمة واضحة تُنظّم استخدام الألقاب المهنية والعلمية، وتُجرّم الادعاء الذي يترتب عليه تضليل أو تحقيق منفعة غير مستحقة، إلى جانب تفعيل أدوات التحقق من المؤهلات والألقاب، لا سيما تلك الصادرة من جهات خارجية غير معترف بها،كما يظل رفع الوعي المجتمعي عنصرًا محوريًا، لتقليل الانسياق خلف الألقاب دون تمحيص.

تستدعي هذه الظاهرة دورًا فاعلًا من المراكز البحثية والجامعات، بعدم إغفالها أو التعامل معها بوصفها سلوكًا هامشيًا، بل المبادرة إلى دراستها دراسة علمية منهجية، وتحليل أبعادها الاجتماعية والمهنية، وقياس آثارها على سوق العمل والوعي العام، وطرح حلول عملية وتوصيات قابلة للتطبيق تسهم في الحد من انتشارها، وتعزز ثقافة الاستحقاق، وترسّخ معايير النزاهة والمصداقية في الأوساط الأكاديمية والمهنية والإعلامية.

ولا تنفصل المسؤولية الفردية عن هذا السياق، إذ يُعد المتلقي شريكًا في تضخم الظاهرة حين يمنح ثقته دون تحقق، أو يروّج لنماذج قائمة على الادعاء،كما أن من يمارس هذا السلوك يُسهم في إضعاف القيم المهنية، ويقع في دائرة الغش الاجتماعي، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية ونظامية.

وتفرض المرحلة القادمة حلولًا أكثر حزمًا، تنسجم مع الأنظمة واللوائح التنفيذية السعودية ونظام النشر الصحفي، من خلال إنشاء منصات وطنية موثوقة لتوثيق المؤهلات والألقاب، وربطها بالجهات المختصة ، وتفعيل المساءلة النظامية بحق المخالفين، ومنع استخدام أي صفة مهنية أو علمية دون اعتماد،كما يُعد تعزيز التكامل بين الجهات التنظيمية والتعليمية والإعلامية خطوة أساسية لبناء بيئة مهنية عادلة، تحمي الكفاءة وتُقصي الادعاء.

 المحصلة، يظلّ التمظهر بالألقاب دون استحقاق عبئًا على القيم قبل أن يكون ادعاءً على الواقع؛ فلا تُقاس قيمة المجتمعات بما يُكتب قبل الأسماء، بل بما يُنجز على أرضها من أثرٍ صادق. فالألقاب الحقيقية لا تُمنح بالادعاء، بل تصنعها الكفاءة، ويُثبتها العمل، ويُخلّدها الصدق.