النهار

١٥ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ ابريل-٢٠٢٦       10395

بقلم - طارق محمود نواب

ليستِ الأسئلةُ، في حقيقتها العميقة، ما يُقلق الوجود بل تلك الحوافُّ الدقيقة التي تتسرّب إلى يقيننا كضوءٍ خفي، فنقف عندها لا لأننا تهنا، بل لأن المعنى نفسه توقّف لحظةً ليعيد النظر فينا. فهناك، حيث ينحسر الضجيج حتى يكاد يُمحى، وتتلاشى الأجوبة كأنها وهمٌ عابر، تتجلّى الحافة لا كخطرٍ يُرتجى الهروب منه، بل كعتبةٍ مهيبة تُفضي إلى طبقةٍ أعمق من الكينونة، طبقةٌ لا تُدرك بالحواس، بل تُبصر حين يُعاد تشكيل الاعماق في صمتٍ لا يُسمع، وحضورٍ لا يُرى.
وحوافُ الأسئلة ليست خللًا في المعنى، بل اكتماله حين يتعرّى، فهي اللحظة التي تسقط فيها المسلّمات لا لأن أحدًا نقضها، بل لأنك تجاوزت قدرتك على تصديقها ببراءةٍ. فتكتشف أن ما كنت تحمله يقينًا، لم يكن سوى ستارٍ ناعمٍ للطمأنينة، وأن الحقيقة، بكل صفائها القاسي، كانت تنتظرك خارج حدود ذلك السكون المريح. فهناك، لا يُملى عليك جواب، ولا تُمنح يقينًا، بل تُترك في حضرة نفسك لتُصغي، لا لما يُقال، بل لما يتشكّل فيك دون صوت.
وفي تلك الحواف، يتبدّل السؤال من كونه استفسارًا إلى كونه كشفًا، لا يسألك عمّا تجهل، بل عمّا تهرب منه. ويغدو القلق، الذي طالما خشيتَه، بوّابةً خفيّة لعبورٍ مختلف، حيث لا تُفقد شيئًا بل تُستعاد على هيئةٍ أصدق. فبعضُ الأسئلة لا تُنير الطريق، بل تُطفئ الزوائد عنه، لتُبقيك أمام جوهرٍ عارٍ لا يحتمل التزييف. فهي لا تهديك المعرفة كامتلاك، بل تعيدك إليها كحالةٍ من الانكشاف المستمر، حيث لا نهاية للفهم بل اتّساعٌ دائم له.
ولذلك، فإن الوقوف على حافة السؤال ليس تردّدًا، بل شجاعةٌ في أن تواجه ذاتك دون أقنعة، وأن تنظر دون أن تُجمّل، وأن تعترف بأنك لا تعرف لا كعجز، بل كبدايةٍ لوعيٍ أنقى. فليس الإنسان ما يملكه من أجوبة، بل ما يحتمله من أسئلة، وليس نضجه فيما يُغلقه من دوائر، بل فيما يقف عنده طويلًا متأمّلًا، منصتًا، متحوّلًا.
وحقيقة إننا لا نُعاد خلقنا في اليقين، بل في تلك المساحات الفاصلة بين سؤالٍ وآخر، حيث يُعاد ترتيب المعنى ببطءٍ يليق به، ويُصاغ الوعي كما تُصاغ الأشياء التي لا تُفنى. فحوافُ الأسئلة ليست أطرافًا للضياع، بل تخومًا لولادةٍ أخرى وهناك، في ذلك الوقوف المديد، تكتشف أن السؤال لم يكن ينتظر جوابك، بل كان ينتظر أن تُولد منه من جديد.