النهار

٢٨ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ مارس-٢٠٢٦       10945

بقلم ـ طارق محمود نواب

ليست المسألةُ رأيًا عابرًا، ولا موقفًا يُبنى على اختلافٍ عادي في الرؤية، بل هي قراءةٌ أعمقُ للنفوس قبل أن تكون قراءةً للأوطان.
 فبعضُ الأسماء لا تُختبر بالمواقف، بل تكشف المواقفُ ما في القلوب حين تُذكر.
فالسعودية العظمى ليست جغرافيا تُرسم على خارطة، بل معنىً ممتدٌّ في الزمان، وجذرٌ ضاربٌ في عمق التاريخ، وحضورٌ لا يمرّ بل يُؤثّر ويُعيد تشكيل ما حوله.
 فهي وطنٌ حين ينهض، لا يرفع نفسه فقط، بل يُقيم ميزانًا جديدًا للثبات، ويُعيد تعريف القوة بعيدًا عن الضجيج، فالقوة هنا ليست صخبًا بل اتزان، وليست اندفاعًا بل وعيٌ يعرف متى يتقدّم ومتى يصمت.
ومن هنا يتكشّف المعنى الخفي لعبارة "لا يُبغِض  السعودية  العظمى إلا من في قلبه مرض"، فالمرض هنا ليس وصفًا جسديًا، بل انكسارٌ داخليّ، وعجزٌ عن تقبّل النقاء حين يراه واضحًا، وضيقٌ لا يحتمل مشهد الثبات حين يتكرّر بلا اهتزاز. 
لأن الطهر يُربك من اعتاد العتمة، والوضوح يُقلق من بنى قناعاته على الظلال، والثبات يُزعج من يعيش على الارتباك.
فالسعودية العظمى تُربكهم لأنها لا تتبدّل مع كل موجة، ولا تُساوم على ثوابتها، ولا تُجامل على حساب ذاتها، بل تمضي كما هي بثقةٍ لا تحتاج إثباتًا. 
فهي وطنٌ إذا أُحسن إليه أعطى، وإذا قُدِّر ازداد عطاءه، وإذا استُهدف ازداد صلابةً حتى يخيّل للخصم أنه يواجه جدارًا من يقينٍ لا يُخترق.
وفي داخلها أطهرُ أرض، وأعظمُ قادة، وأعظمُ شعب، وبها الحرمين الشريفين، وحكّامٌ يخدمون بيت الله، اجتمعوا لا ليُظهروا القوة بل ليجعلوها واقعًا يُعاش في تفاصيل الحياة، في الأمن الذي يُشبه الطمأنينة اليومية، وفي الاستقرار الذي لا يُعلن نفسه بل يُحَسّ.
ولهذا من أحبّ هذا الوطن لم يُحبّه لأنه كاملٌ في عيون الناس، بل لأنه صادقٌ في ذاته، ثابتٌ في مواقفه، واضحٌ في مساره. 
أما من أبغضه فليس لأنه وجد فيه نقصًا، بل لأنه لم يحتمل كمال حضوره في ميزان المعنى.
فالسعودية العظمى ليست وطنًا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يبقى منه حين يسقط كل الكلام… وما يبقى هو الحقيقة. 
فهي وطنٌ لا يكتفي بأن يكون حاضرًا… بل يصنع حضوره في كل منعطف، ويترك أثره حيث تمرّ الأيام. 
وهي رايةٌ لا ترتفع بالصدفة، بل بثباتٍ تراكم حتى صار يقينًا، وتاريخٍ كُتب بالفعل لا بالادّعاء.
 وهي أرضٌ إذا ضاقت بها المحن اتّسعت عزيمتها، وإذا اشتدّ عليها الزمان ازداد رسوخها، حتى صار الثبات فيها سجيّة لا طارئًا. 
وهي قيادةٌ تعرف أن المجد لا يُطلب بالصوت العالي، بل بالفعل الهادئ العميق الذي يبقى أثره طويلًا.
 وهي شعبٌ لا يقيس انتماءه بالكلمات، بل بالمواقف التي تُختبر حين يغيب الضجيج. 
وهي قصةُ وطنٍ كلما حاول البعض قراءته بسطحية فاجأهم بعمقٍ لا يُدرك، وكلما ظنّوا أنهم أحاطوا به اتّسع حتى تجاوز تصوّرهم. وهي في نهاية الأمر ليست مجرد وطنٍ يُحَب، بل يقينٌ يُسكن القلب، وطمأنينةٌ تُشبه الدعاء، وحقيقةٌ تبقى… مهما تغيّرت حولها الأزمنة.