النهار
بقلم ـ طارق محمود نواب
حين يقترب العيد، تتبدل ملامح الأيام، وكأن الزمن نفسه يرتدي ثوبًا جديدًا.
فالعيد ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم، بل هو حالة إنسانية تتجدد في القلوب، تحمل معها رائحة الذكريات، وصدى الضحكات القديمة، وتعيد للروح شيئًا من بهجتها التي قد تُثقلها تفاصيل الحياة.
ففي الأزمنة الماضية، كان العيد يجيء بهدوءٍ يشبه دفء البيوت القديمة. حيث كانت الحياة أكثر بساطة، وأقرب إلى روح الإنسان.
فالبيوت متقاربة، والقلوب أكثر تقاربًا.
وكان الاستعداد للعيد يبدأ قبل قدومه بأيام، حين تنشغل الأمهات بتنظيم البيوت وإعداد بعض الحلوى التقليدية ، بينما يترقب الأطفال لحظة ارتداء الملابس الجديدة التي كانت كفيلة بأن تجعل العالم كله يبدو أكثر إشراقًا.
وكان لليلة العيد مذاق خاص، ليلة يختلط فيها التعب بفرح الانتظار، وتعلو فيها أصوات التكبير في المساجد والأحياء، فتشعر المدينة كلها كأنها تستعد لاستقبال ضيفٍ كريم.
وفي الصباح الباكر، يمضي الناس إلى صلاة العيد في مشهدٍ تتجلى فيه روح الجماعة، وجوهٌ تعرف بعضها، وأيدٍ تتصافح بصدقٍ خالٍ من التكلف.
وبعد الصلاة تبدأ زيارات العيد، وهي واحدة من أجمل طقوسه في تلك الأيام. أبواب البيوت مفتوحة، والقلوب أوسع من المسافات.
حيث يجلس الكبار يتبادلون الحديث، بينما ينطلق الأطفال في الأزقة والساحات بفرحٍ لا يعرف حدودًا.
وكانت العيدية الصغيرة تكفي لتصنع في قلوبهم عالمًا من السعادة.
فذلك العيد كان بسيط المظاهر، لكنه عميق الأثر. حيث لم تكن الأشياء كثيرة، لكن المعاني كانت أكبر، وكانت اللحظات تُعاش بصدقٍ لا يشوبه استعجال.
ومع مرور الزمن تبدلت الحياة، واتسعت المدن، وتسارعت خطوات الأيام.
حيث دخلت التقنية إلى تفاصيل حياتنا، وأصبح العالم أكثر اتصالًا وأسرع إيقاعًا.
وفي ظل هذا التحول، تغيّرت بعض ملامح العيد، وانتقل من هدوء البيوت القديمة إلى صخب المدن الكبيرة.
واليوم أصبح العيد أكثر حضورًا في الشوارع والأسواق والمهرجانات.
الأضواء تملأ الأماكن، والفعاليات تنتشر في كل زاوية، والناس يتبادلون التهاني عبر الهواتف والشاشات قبل أن يتبادلوها وجهًا لوجه.
فلقد اتسعت دائرة الاحتفال، وتنوعت مظاهره، لكن شيئًا من روح الأمس ما زال يسكن في أعماق هذه اللحظة.
فالعيد، مهما تبدلت مظاهره، يبقى في جوهره لقاءً إنسانيًا.
لقاء القلوب التي تشتاق إلى بعضها، ولقاء الأرواح التي تحتاج أن تتصافح بعد طول انشغال.
وما زال صوت التكبير في صباح العيد يحمل تلك الرعشة نفسها التي عرفها الآباء والأجداد.
وفي كل عيدٍ جديد، تتسلل إلى القلب لحظة تأملٍ صامتة، لحظة نتذكر فيها وجوهًا غابت، وأرواحًا كانت تشاركنا ضحكات العيد ومجالسه.
فبعض المقاعد حول موائدنا لم تعد كما كانت، لكن الذكرى تظل حاضرة، والدعاء يظل لغة الوفاء التي لا تنقطع.
إن العيد ليس في كثرة مظاهره، ولا في صخب احتفالاته، بل في تلك اللحظة البسيطة التي يشعر فيها الإنسان أن للحياة وجهًا أكثر لطفًا.
لحظة يجتمع فيها الأهل، وتتصافى القلوب، ويستعيد الإنسان شيئًا من صفاء نفسه.
وهكذا يبقى العيد جسرًا بين زمنين، زمن البيوت القديمة التي كانت تُدفئها المحبة، وزمن المدن الحديثة التي تعج بالحياة.
وبين هذين الزمنين تظل الحقيقة واحدة، بأن الفرح الحقيقي لا تصنعه الأشياء، بل تصنعه القلوب حين تلتقي بصدق.
ولهذا سيبقى العيد دائمًا أكثر من يومٍ في السنة، حيث سيبقى حكاية إنسانية تتجدد كل عام، تذكّرنا بأن الحياة مهما تغيّرت، فإن أجمل ما فيها سيظل ذلك الدفء الذي يسكن القلوب.