النهار

١٧ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ مارس-٢٠٢٦       9790

بقلم - حذامي محجوب

تبدو الصين أحد أكبر المستفيدين من الحرب على إيران. فعودة الولايات المتحدة إلى المواجهة العسكرية المكلفة في الشرق الأوسط تعني عمليا تحويل جزء من الموارد العسكرية والاهتمام الاستراتيجي بعيداً عن آسيا، وهو ما يمنح بكين هامشا أوسع للتحرك في محيطها الإقليمي ويغذي خطابها القائل إن واشنطن قوة مثقلة بالأزمات وغير قادرة على التركيز في جبهة واحدة.

هذا التحول يحمل دلالات استراتيجية مهمة. فكلما انخرطت الولايات المتحدة في صراع جديد، تزايدت الشكوك لدى بعض حلفائها الآسيويين حول مدى قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وفي هذا المناخ، تجد الصين فرصة لتعزيز نفوذها وإبراز نفسها قوة أكثر ثباتا في محيطها، بل وقد تستفيد من أي استنزاف يطال القدرات العسكرية الأميركية.

لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالصين، رغم قوتها الاقتصادية الهائلة، تبقى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وتعتمد بدرجة كبيرة على نفط وغاز يمران عبر الخليج ومضيق هرمز. وهذا يعني أن أي اضطراب كبير في الإمدادات أو ارتفاع حاد في الأسعار قد ينعكس مباشرة على اقتصادها الصناعي وسلاسل التوريد التي يقوم عليها نموذجها التنموي.

صحيح أن بكين حاولت التحوط عبر بناء احتياطيات ضخمة من النفط والمواد الأولية خلال السنوات الماضية، كما اتخذت إجراءات لحماية سوقها الداخلية من الصدمات، لكن هذه التدابير لا تلغي حقيقة أن أمن الطاقة الصيني مرتبط باستقرار منطقة بعيدة عن قدرتها العسكرية المباشرة على الحماية. فالصين لا تملك حتى الآن شبكة الانتشار البحري والعسكري العالمية التي تتيح لها تأمين طرق الطاقة كما تفعل الولايات المتحدة.

لهذا تبدو بكين اليوم في وضع معقد: فهي تستفيد سياسياً من انشغال الولايات المتحدة في حرب جديدة، ومن تراجع قدرتها على التركيز الكامل في آسيا، لكنها في الوقت نفسه تراقب بحذر كبير  اضطراب أسواق الطاقة واحتمال ارتفاع الكلفة الاقتصادية للصراع.

 لذلك قد تمنح هذه الحرب الصين مكسبا جيوسياسيا عبر إضعاف تركيز واشنطن الاستراتيجي، لكنها قد تتحول في الوقت نفسه إلى عبء اقتصادي إذا طالت الأزمة وأربكت إمدادات الطاقة العالمية.

بين هذين الاحتمالين، تبدو الصين اليوم في موقع حرج: قوة تراقب استنزاف خصمها الاستراتيجي، لكنها تدرك أن اضطراب الشرق الأوسط قد يمس أحد أعمدة قوتها الاقتصادية. ولهذا يمكن وصف التنين الآسيوي بانه  "المستفيد المتوتر "قوة قد تكسب سياسيا من الحرب، لكنها تدرك أن عالم الأزمات المتشابكة لا يمنح انتصارات مجانية.