النهار
بقلم - محمد السويعي
في عصر الفضاء الرقمي، قد لا تكون أخطر المعلومات تلك التي تُسرَّب عمدًا، بل تلك التي تُنشر بحسن نية دون أن يدرك صاحبها ما قد يترتب عليها.
فكثير من المنشورات تبدأ بدافع المشاركة أو التوثيق، لكنها قد تتحول خلال وقت قصير إلى إشاعة تنتشر عبر المنصات المختلفة، ويُعاد تداولها وتضخيمها حتى تبتعد تمامًا عن حقيقتها.
اليوم لم يعد نشر صورة أو مقطع فيديو أمرًا معقدًا.
بضغطة زر يمكن لأي شخص أن يوثق حدثًا وينشره خلال ثوانٍ ليصل إلى آلاف، وربما ملايين المتابعين.
هذه السهولة جعلت من الجميع شهودًا وناقلين للمعلومة في الوقت نفسه، لكنها في المقابل وضعت على عاتق المجتمع مسؤولية أكبر.
فالصورة التي تبدو عادية قد تتحول، من دون قصد، إلى معلومة حساسة يمكن تحليلها واستغلالها بطرق لم تخطر على بال من نشرها.
والحقيقة أن الصورة الرقمية لا تحمل فقط ما يظهر للعين.
ففي داخلها غالبًا ما توجد بيانات تقنية تُعرف بالبيانات الوصفية، وقد تتضمن الموقع الجغرافي للصورة ووقت التقاطها ونوع الجهاز المستخدم.
وباستخدام أدوات تحليل متاحة يمكن استخراج هذه المعلومات ومعرفة تفاصيل دقيقة عن مكان التصوير أو الظروف المحيطة به.
ولهذا كثيرًا ما تحذر الجهات الرسمية من نشر صور قد تكشف معلومات حساسة دون الانتباه لما قد تحمله من دلالات.
وفي أوقات التوترات أو الأحداث الحساسة تتضاعف خطورة هذا الأمر.
فتصوير مواقع الأحداث الأمنية ونشرها قد يمنح الخصوم مؤشرات مهمة، مثل تأكيد وقوع حدث معين أو تحديد موقعه بدقة.
كما قد تُستخدم بعض الصور لاحقًا في تحليل المشهد أو في بناء روايات إعلامية مضللة تضخم الحدث وتبث الخوف والارتباك بين الناس.
غير أن الخطر لا يقتصر على الصور وحدها.
فالشائعة في البيئة الرقمية قد تنتشر أحيانًا أسرع من الحقيقة.
وتشير دراسات إعلامية إلى أن الأخبار الكاذبة تنتقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بوتيرة أسرع من الأخبار الصحيحة، لأن كثيرًا من المستخدمين يندفعون لمشاركة المعلومات المثيرة قبل التحقق من مصدرها.
وفي مثل أجواء التوترات قد يظهر من يحاول استغلال هذه الحالة عبر حسابات أو جهات تتحدث بلسان المواطنين وتدّعي الحرص على الوطن، بينما هدفها الحقيقي إثارة القلق وبث الانقسام وإضعاف الثقة داخل المجتمع. هذه الأساليب أصبحت جزءًا مما يُعرف بالحروب المعلوماتية التي تُدار في الفضاء الرقمي بالتوازي مع الأحداث على الأرض.
لهذا يظل الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول.
فالمجتمع الواعي لا ينجرف خلف الشائعات، ولا يعيد نشر صورة أو خبر قبل التحقق من مصدره.
كما أن الاعتماد على المعلومات الصادرة من الجهات الرسمية والالتفاف حول القيادة يمثلان عنصرًا مهمًا في الحفاظ على الاستقرار، خصوصًا في أوقات التوترات.
إن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية أو اقتصادية، بل أيضًا بمدى تماسك مجتمعاتها ووعي أفرادها.
فالمجتمع الذي يرفض الشائعات ويتجنب المهاترات التي تزرع الفرقة يحصّن نفسه من محاولات التضليل ويحافظ على وحدته.
لقد أصبح الفضاء الرقمي وسيلة إعلامية مؤثرة في يد الجميع.
ويمكن أن يكون أداة لنشر المعرفة والوعي، كما يمكن وبدون قصد أن يتحول إلى قناة لنشر معلومات يستفيد منها الخصوم أو منصة لتضخيم الشائعات.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتختلط فيه الحقيقة بضجيج المنصات الرقمية، تبقى القاعدة الأهم بسيطة لكنها حاسمة: ليست كل صورة تُلتقط يجب أن تُنشر … وليست كل معلومة تُقال تستحق أن تُتداول.