النهار

٠٢ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ مارس-٢٠٢٦       11385

بقلم - حذامي محجوب

منذ مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي دخلت إيران مرحلة شديدة الحساسية، ليس فقط بسبب الفراغ الرمزي الذي خلّفه الرجل الذي حكم لعقود، بل لأن مقتله لم يكن حدثا عاديا في مسار دولة اعتادت أن تحيط رأس هرمها السياسي بهالة من القداسة والصلابة. فجأة، انكشف النظام على هشاشته الداخلية، وبرزت التصدعات التي كانت مؤجلة تحت مظلة سلطة مركزية قادرة على ضبط التوازنات بين مؤسسات متنافسة. خلال هذه الفترة الانتقالية، لم يعد القرار يصدر من مركز واحد واضح، بل بدا وكأنه يتوزع بين دوائر متداخلة: مؤسسة الرئاسة، مجلس الخبراء، والأهم من ذلك الحرس الثوري الذي تحوّل تدريجيا من ذراع عسكرية إلى لاعب سياسي واقتصادي وأمني يملك القدرة على فرض الوقائع.

ما يميز اليومين اللذين تليا مقتل المرشد هو تسارع الضربات لا هدوؤها. بدل أن تتجه السلطة نحو إعادة ترتيب البيت الداخلي، برز سلوك هجومي في أكثر من اتجاه، وكأن بعض القيادات، ولا سيما داخل الحرس الثوري، تسعى إلى تثبيت نفوذها عبر التصعيد الخارجي. 
في الداخل، تصاعدت القبضة الأمنية، وتراجعت أي مؤشرات على انفتاح سياسي أو نقاش حول طبيعة المرحلة المقبلة، في رسالة واضحة مفادها أن أي فراغ في القمة لن يُترجم إلى مساحة للمجتمع. هذا التشدد لا يمكن فصله عن منطق “الأرض المحروقة”؛ فحين تشعر بنية سلطوية بأن شرعيتها مهددة، تميل إلى تجفيف كل منابع الاعتراض قبل أن تتحول إلى بديل محتمل.

خارجيًا، اتخذت المواجهة مع إسرائيل منحى أكثر حدة، سواء عبر التصعيد غير المباشر في ساحات إقليمية أو عبر خطاب سياسي وعسكري أقل اكتراثًا بضبط الإيقاع. هنا أيضًا يظهر منطق الأرض المحروقة بصورة مختلفة: إرباك الخصم، استنزافه، وخلط الأوراق الإقليمية بحيث يصبح أي استهداف لإيران مكلفًا للجميع. لكن الأخطر أن هذا النهج لم يقتصر على إسرائيل، بل امتد أثره إلى محيط عربي كان قد بدأ يشهد محاولات خفض توتر وإعادة تطبيع تدريجي. فبدل البناء على مسارات التهدئة، عادت بعض أدوات النفوذ الإقليمي إلى الواجهة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، برسائل توحي بأن مرحلة ما بعد المرشد لن تكون مرحلة تراجع، بل إعادة تموضع أكثر صلابة، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستقرار الإقليمي.

المفارقة أن هذا التصعيد قد لا يكون تعبيرا عن قوة بقدر ما هو انعكاس لقلق عميق داخل بنية الحكم. فحين يغيب الشخص الذي كان يمسك بالخيوط الدقيقة بين المؤسسات، يتحول كل مركز قوة إلى مشروع سلطة قائم بذاته. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح السياسة الخارجية أداة لإعادة إنتاج الشرعية في الداخل. كلما ارتفعت حدة المواجهة، أمكن تعبئة الشارع حول “الخطر الخارجي” وتأجيل الأسئلة المتعلقة بالخلافة والشرعية والاقتصاد. وهكذا يتحول الخارج إلى ساحة تعويض عن ارتباك الداخل.

إن اليومين اللذين أعقبا مقتل المرشد لا يكشفان فقط عن صراع على الخلافة، بل عن إعادة تعريف لمفهوم الحكم ذاته في إيران: هل ستبقى الجمهورية محكومة بتوازن دقيق بين مؤسساتها، أم أننا أمام صعود نموذج أكثر عسكرية تقوده شبكات الحرس الثوري؟ المؤشرات الحالية توحي بأن الكفة تميل نحو الخيار الثاني، حيث يُدار الفراغ عبر التشدد، ويُواجَه القلق عبر التصعيد، وتُستخدم سياسة الأرض المحروقة كأداة ردع وتثبيت نفوذ في آن واحد. غير أن هذا المسار، مهما بدا حاسما في المدى القصير، يحمل في طياته مخاطر استنزاف طويل لإيران نفسها، في محيط إقليمي لا يحتمل مزيدًا من الحرائق.