عبدالله الكناني
بقلم:عبدالله الكناني
حين تحتفي بلدنا الغالية قيادةً وشعبًا بـ(يوم التأسيس) في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، فإنها لا تستحضر ذكرى عابرة في رزنامة الأيام، بل تستدعي ثلاثة قرون من المجد المتراكم، وتجدد العهد مع جذورٍ ضاربةٍ في عمق التاريخ، منذ أن أرسى دعائم الدولة السعودية الأولى الإمام محمد بن سعود في الدرعية عام 1727م؛ لتبدأ قصة وطنٍ كُتب له أن يكون رقمًا صعبًا في معادلة التاريخ، وشاهدًا على أن الأمم العظيمة تولد من رحم الإيمان بالفكرة، والثبات على المبدأ، والتلاحم بين القيادة والشعب.
لم تكن نشأة الدولة السعودية الأولى حدثًا سياسيًا معزولًا، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا قام على ترسيخ الأمن، وتوحيد الصف، وإقامة العدل، وبناء مجتمعٍ متماسكٍ يستند إلى قيمٍ راسخة.
ومن الدرعية انطلقت إشراقةٌ كبرى أعادت صياغة المشهد في الجزيرة العربية، وأثبتت أن الاستقرار هو حجر الأساس لكل عمران،ورغم ما تعرضت له الدولة من تحدياتٍ جسام، فإن الفكرة لم تمت، لأن جذورها كانت أعمق من أن تُقتلع؛ فعادت الدولة السعودية الثانية على يد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد آل سعود، لتؤكد أن هذا الصرح المتجذر ليس طارئًا، بل قدرٌ تاريخي، وأن وحدة الأرض والإنسان في هذه البلاد ليست أمنيةً عابرة، بل مسارًا ممتدًا في الوعي الجمعي.
ثم بزغ فجر التوحيد على يد القائد الملهم الملك عبدالعزيز آل سعود – طيب الله ثراه – الذي استطاع بحكمةٍ نادرة وعزيمةٍ صلبة أن يوحد الشتات، ويؤسس دولةً حديثة الأركان، قوية البنيان، راسخة السيادة.
لم يكن التوحيد مجرد ضمٍّ للأقاليم، بل توحيدًا للقلوب، وإطلاقًا لمشروعٍ تنموي شامل وضع اللبنات الأولى لمؤسسات الدولة، وأرسى قواعد الأمن والتعليم والاقتصاد.
وقد أدرك الملك المؤسس أن بقاء الدولة مرهون بقدرتها على التطور، ففتح أبواب المعرفة، وأرسى دعائم الإدارة الحديثة، وأطلق مسيرة التحول التي توارثها أبناؤه الملوك من بعده جيلًا بعد جيل، فكان كل عهدٍ لبنةً جديدة في صرح العز.
وتعاقب على قيادة المملكة الملوك: سعود ، و*فيصل ، وخالد، وفهد، وعبدالله– رحمهم الله– حاملين الأمانة، معززين مكتسبات الدولة، فشهدت البلاد طفرةً تعليمية وصحية وعمرانية واقتصادية، حتى أصبحت المملكة لاعبًا مؤثرًا في محيطها العربي والإسلامي والدولي.
توسعت المدن، وتطورت البنية التحتية، ونمت القطاعات الحيوية، وأضحت المملكة مركزًا للطاقة والاقتصاد والاستثمار، وصوتًا حاضرًا في صناعة القرار العالمي،وفي كل مرحلة ظل الثابت هو الإنسان السعودي، الذي آمن بقيادته، وشارك في البناء، وأسهم بعلمه وجهده في صناعة الحاضر.
ومع انطلاق رؤية السعودية 2030 في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وعرّابها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان آل سعود، دخلت المملكة مرحلةً جديدة من التحول الشامل، عنوانها الطموح، ومضمونها التنويع والاستدامة والابتكار.
لم تعد التنمية مقتصرة على البنية التحتية، بل غدت رؤيةً متكاملة لبناء اقتصادٍ متنوع، ومجتمعٍ حيوي، ووطنٍ طموح. فالمشاريع العملاقة، والاستثمارات النوعية، وتمكين الشباب والمرأة، والتحول الرقمي، والريادة في مجالات الطاقة المتجددة والسياحة والثقافة؛ كلها شواهد على أن المملكة لا تكتفي بتاريخها المجيد، بل تصنع مستقبلها بثقةٍ واقتدار.
إن يوم التأسيس ليس احتفاءً بالماضي فحسب، بل هو استحضارٌ لمعنى الاستمرارية؛ فالدولة التي قامت على العدل والتلاحم والبناء لا تزال وفيةً لهذه الركائز.
عزٌّ يتجدد في كل مشروعٍ وطني، وفخرٌ يتوارثه الأبناء عن الآباء، ورخاءٌ تُبذل له الجهود وتُسخّر له الإمكانات.
هذا الوطن الذي بدأ من الدرعية فكرةً، ثم صار دولةً، ثم أصبح نموذجًا تنمويًا ملهمًا، يثبت أن الأمم العظيمة لا تُقاس بعمرها الزمني فحسب، بل بعمق جذورها، وصلابة مبادئها، وقدرتها على المضي نحو المستقبل دون أن تفقد بوصلتها.
وفي يوم التأسيس نقف إجلالًا للتاريخ، واعتزازًا بالحاضر، واستشرافًا لغدٍ أكثر إشراقًا؛ غدٍ تُكتب صفحاته بسواعد أبنائه، وبرؤية قيادته، وبإيمانٍ راسخٍ بأن هذه الأرض خُلقت لتكون موطن عزٍّ وفخرٍ ورخاء.