النهار

٢١ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ فبراير-٢٠٢٦       14575

بقلم ـ جمال المرشدي 

كثيرًا ما تختبى خلف عبارة "أنا صريح" أو "هذه مجرد نصيحة" حقيقة بشعة؛ وهي الرغبة في تحطيم الآخرين. هناك خيط رفيع يفصل بين النقد البنّاء الذي يبني الجسور، وبين الانتقاد السام الذي لا يهدف إلا لكسر المجاديف، وإطفاء بريق الشغف في عيون المبدعين.
هذا النوع من النقد ليس "وجهة نظر"، بل هو اعتداء معنوي كامل الأركان.
وقد قيل من الحكم في النقد ‏- فرآنك كلارك
النقد مثل المطر. ينبغي أن يكون يسيراً بما يكفي, ليغذي نمو الانسان دون أن يدمر جذوره.
الفرق بين "الناصح" و"القناص"
النصيحة الحقيقية تُقدم في خفاء، بقلب محب، وبلغة رقيقة تهدف إلى الإصلاح. أما الانتقاد السام فيتميز بثلاث صفات تجعله بعيدًا كل البعد عن النبل:
العلنية (حب الفضيحة) المنتقد السام لا يكتفي بإخبارك برأيه سرًا، بل يختار "الميدان العام" (سواء أمام الزملاء أو على منصات التواصل او في الجمعات العائلية ليمارس هوايته في الإحراج،
محولًا الموقف من محاولة تصحيح إلى حفلة تشهير الوقاحة في الطرح: لا تجد في قاموسه كلمات مثل "أقترح" أو "ربما". بل يستخدم لغة قاسية، جارحة، تهاجم الشخص لا العمل. إنه لا يقول "هذا العرض يحتاج تنظيماً"، بل يقول "أنت فاشل ولا تفقه شيئًا". كسر المجاديف: الهدف ليس دفعك للأمام، بل التأكد من أنك لن تتحرك خطوة واحدة. هو يغلف سمومه بكلمات محبطة تقضي على الثقة بالنفس وتجعل الضحية يتساءل عن جدوى استمراره.
سيكولوجية المنتقد السام
لماذا يلجأ البعض لهذا الأسلوب الوقح في الغالب، لا يتعلق الأمر بجودة ما تقدمه أنت، بل بنقص يشعر به هو. ولايستيطع ان يتصالح مع نفسه ويتهم بشانه بل يحاول الإسقاط حين يعجز المنتقد السام عن مجاراة فكرك، وتصدمه جودة عملك التي لا ثغرة فيها، يلجأ إلى "ملاذ المفلسين"؛ وهو قنص الهفوات في مظهرك الشخصي أو التنقيب في تفاصيل سلوكية لا علاقة لها بجوهر الموضوع.اصطياد القشور: قد يترك جوهر مشروعك العظيم ليعلق بوقاحة على "نبرة صوتك"، "طريقة هندامك"، أو حتى "حركة يديك العفوية".خلق العيوب: هذا النوع من النقد ليس إلا محاولة بائسة لـ "أنسنة النقص" الذي يشعر به؛ فهو يريد أن يقنع الحاضرين (ويقنع نفسه) بأنك لست كاملاً، وأن نجاحك "مخدوش" بعيبٍ تافهٍ اصطنعه هو في مخيلته والهروب من المواجهة: التركيز على القشور هو "هروب للأمام"؛ لأنه يدرك أن مناقشة أفكارك ستكشف ضآلته، فيختار الهجوم على ما هو شخصي ليحرف الأنظار عن تميزك. ويرى في نجاحك مرآة لفشله، فيحاول كسر المرآة
 حب السيطرة يشعر بالقوة عندما يرى تأثير كلماته الجارحة على ملامحك.ويستلذ بالغيرة الخفية والنقد الوقح هو الضريبة التي يدفعها كل من قرر أن يخرج عن القطيع ويحاول التميز.
كيف تتعامل مع "قاطعي الطريق" المعنويين
إذا واجهت هذا النوع من الهجوم، تذكر أن استجابتك هي التي تحدد حجم الضرر 
افصل بين النصيحة والوقاحة: إذا خلت الكلمات من الاحترام، فهي ليست نصيحة، وبالتالي لا تستحق أن تأخذ حيزًا من تفكيرك • لا تمنحهم متعة الانكسار المنتقد السام يتغذى على رد فعلك العاطفي. الصمت بابتسامة واثقة هو أقوى رد على الوقاحة.
* الغربلة استخرج أي معلومة مفيدة (إن وجدت) وارمِ الباقي في سلة المهملات الذهنية.
كما قال البرت هوبارد في النقد 
لكي تتجنب النقد لا تعمل  
‏شيئاً.. و لا تقل شيئاً... 
‏ولا تكن شيئاُ !! 
التميز يزعج الساكنين: حين تتحرك، أنت تذكر الواقفين بكسلهم، وانتقادهم لك ليس تقييماً لأدائك، بل هو صرخة احتجاج ضد شجاعتك التي يفتقدونها.
* النقد هو "شهادة استحقاق": لا أحد يرجم شجرة هامدة، ولا أحد ينتقد جداراً أصم. النقد هو الضجيج الذي يحدثه اصطدام طموحك بالواقع، فإذا لم تسمع صوتاً حولك، فربما أنت لا تبرح مكانك.
طول اللسان: مباهاة المفلسين وخيبة المنزلة
البعض يتباهى بـ "طول لسانه" وقدرته على طعن الناس وتجريحهم تحت مسمى "القوة" أو "الصراحة"، او النقد 
متجاهلين أن هذا السلوك هو قمة الإفلاس الأخلاقي.
إن هؤلاء الذين يفتخرون بقدرتهم على إحراج الآخرين، قد حسم النبي ﷺ مكانتهم بكلمات تقصم الظهر، حيث قال:

(إن شرّ الناس منزلة يوم القيامة من يتقيه الناس مخافة لسانه