النهار

٢٠ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ فبراير-٢٠٢٦       16995

بقلم - أحمد بن صالح حلبي 
حينما تقرأ تاريخ الدولة السعودية منذ تأسيسها على يد الإمام محمد بن سعود عام 1139هـ ، فإنك تقف أمام مشاهد وأحداث عاشتها الجزيرة العربية قبل قيام الدولة السعودية ، تمثلت في الفوضى والتفكك والتناحر على الموارد المتمثلة في الماء والمرعى ، إضافة لتناحر الثأر ، والعصبية القبلية التي  نتج عنها  حروب طاحنة ، خلقت أجواء من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومع تأسيس الدولة السعودية أخذ  النزاع يتلاشى ، والأمن يفرض والحياة الكريمة تظهر ، فبعد أن تولى الإمام محمد بن سعود الحكم ، وبدأ في تأسيس الدولة السعودية الأولى ، بدأت خطواته تتجه نحو توحيد القبائل المتناحرة ، والعمل على تنظيم دروب الحجيج وتأمين تنقلاتهم . 
وبعد أن تمكنت الدولة السعودية الأولى من توحيد معظم مناطق الجزيرة العربية ، ونشر الأمن والاستقرار بها ، وعملت على  جمع الكلمة ونبذ العنف ، ‎وبعد  ضم الطائف للدولة السعودية الأولى وإصدار الإمام عبد العزيز عام (1217هـ/1802م)، أمراً بتعيين “المضايفي” أميراً عليها ، عاش أهالي  مكة المكرمة حالة من القلق ، فدخول الجيش السعودي لها سيؤثر على الحجاج وستضيع حقوقهم ، غير أن سعود بن عبدالعزيز بقي في الطائف حتى قضى الحجاج مناسكهم فدخل  وجيشه مكة المكرمة معتمرا لا مقاتلا يوم السبت الثامن من محرم 1218 هــ ، بعد أن غادر الشريف غالب إلى جدة ، فكان هذا اليوم هو بداية دخول  مكة المكرمة تحت حكم الدولة السعودية الأولى ، وبدخوله لها  أعطى سعود بن عبدالعزيز الأمان لأهل مكة وجاء في رسالته الموجهة لكافة أهالي مكة المكرمة والعلماء وقاضي السلطان مايلي  :
‎” السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد .
‎فأنتم جيران الله وسكان حرمه ، آمنون بأمنه ، إنما ندعوكم لدين الله ورسوله } قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون {  ، فأنتم في وجه الله ووجه أمير المسلمين سعود ابن عبدالعزيز ، وأميركم عبدالمعين بن مساعد ، فاسمعوا له واطيعوا ما أطاع الله والسلام ” . 
ومكث سعود بن عبد العزيز بمكة المكرمة نحو اسبوعين ، وضع خلالها عددا من الإجراءات ، وغادر مكة المكرمة يوم 22 محرم 1218 هــ ، بعد أن وضع حامية صغيرة بقيادة فهاد بن سالم للمرابطة بمكة المكرمة ، وانتهى حكم الدولة السعودية الأولى في مكة المكرمة أواخر شهر ربيع الأول 1218 هــ 
وشهدت عامي  1219 ـ 1220 هــ ، نزاعا بين الشريف وآل سعود ، وفي أواخر عام 1220 هـ وضع السعوديون  جيشا يضم نحو ثلاثين  ألف مقاتل فأحكموا حصارهم على مكة المكرمة التي أصبحت تحت حكم الدولة السعودية الأولى للفترة الثانية التي  بلغت سبع سنوات وامتدت ما بين سنة 1221 هــ / 1806 م حتى سنة 1227 هــ / 1812 م .
‎ووصف المؤرخ والأديب ابن بشر حجة الإمام سعود رحمه الله سنة 1225هـ بقوله : (حججتُ تلك السنة وشهدتُ سعوداً وهو راكب مطيته محرماً بالحج ونحن مجتمعون في نمرة لصلاة الظهر وخطب فوق ظهر مطيته خطبة بليغة ووعظ الناس وعلمهم المناسك وذكرهم ما أنعم الله عليهم به من الاعتصام بكلمة لا إله إلا الله.. ونادى وهو على ظهرها ألا يحمل في مكة السلاح.. ودخل مكة وسار فيها سيرة حسنة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدقات والعطاء والرأفة بأهلها )
‎كما وصف (علي بك العباسي) ـ  وهو رحالة وجاسوس ومغامر ومستشرق أسباني ، اسمه دومينغو فرانثيسكو ـ  الإمام سعود ورجاله وقد حج إلى مكة المكرمة في العام نفسه الذي دخل سعود مكة وصفهم بقوله (لديهم خصال حميدة ولا يسرقون قط لا عن طريق قوة ولا عن طريق حيلة.. وهم يؤدون أثمان كل ما يشترونه وأجور الخدمات التي تقدم لهم) .
‎وفي القصيدة  التي نظمها الشيخ أحمد بن عبدالقادر الحفظي حول تنظيم الصلاة داخل المسجد الحرام ليكون المصلون خلف إمام واحد بدلا من الأئمة الأربعة ، يبرز اهتمام الدولة السعودية بتمكين المصلين من أداء صلواتهم بهدوء واطمئنان . 
إذ قال الشيخ أحمد الحفظي في بعض أبياتها :
‎وياسعد من اضحى سعود إمامه
‎فذلك ظل الله في الأرض ساريا
‎وطهر بيت الله من كل مشرك
‎وللكعبة البيت لاحرام كاسيا
‎وعلى الصلاة الخمس جمعا واحدا
‎وأصبح شيطان التفرق خاسيا
وبعد أن ضم الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن - رحمه الله - مكة المكرمة إلى حكمه ، وأعلن قيام المملكة العربية السعودية ، جعل خدمة المسجد الحرام على رأس أولوياته، وأكد اهتمامه «بأقدس بلاد الله، مسطع النور، ومهبط الوحي، ومنشأ الهدى»، كما شرع في عمل ما يتطلبه الحرم من إصلاحات وترميمات عاجلة، فتم في العام 1344هـ - 1925م، ترميم عموم المسجد الحرام، وإصلاح كل ما يقتضي إصلاحه، ومن ذلك: ترميم جدران المسجد وأرضه وأعمدته، وإصلاح المماشي وحاشية المطاف، وطلاء مقام إبراهيم، وإصلاح الأبواب وصيانة القباب وغيرها من الأعمال. وفي العام 1345هـ - 1927م زاد عدد الحجاج زيادة كبيرة بسبب استتباب الأمن واستقرار الأوضاع.
واليوم وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظهما الله ـ نجد أن عدد المعتمرين بلغ العام الماضي 1446 هــ أكثر من 16.5 مليون معتمر ، فيما بلغ عدد الحجاج 1.673.230 حاجا . 
للتواصل:
ashalabi1380@