النهار

١٩ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ فبراير-٢٠٢٦       14740

بقلم - شادية الغامدي

ليس يوم التأسيس مناسبةً نُعيد فيها ترتيب العاطفة حول الماضي، بقدر ما هو فرصة لإعادة قراءة البداية بوصفها “منطقًا”؛ كيف تبدأ الدولة، وكيف تُصان، وكيف لا يتحول الاستقرار إلى صدفة مؤقتة. في الثاني والعشرين من فبراير لا نعود إلى تاريخٍ مكتوب فحسب، بل إلى وعيٍ مبكر أدرك أن الدولة لا تُبنى بالاندفاع، بل بالتدرّج، وأن النظام ليس ترفًا إداريًا، بل شرطًا للحياة المشتركة.

حين تأسست الدولة السعودية الأولى، لم يكن التأسيس إعلان سلطة بقدر ما كان تأسيس فكرة حكم: أن الشرعية لا تقوم على الغلبة وحدها، بل على قابلية النظام للاستمرار، وعلى قدرة الحكم على إنتاج معنىٍ مقبول للناس: أمنٌ وانتظامٌ وعدالةٌ ممكنة—ولو بحدّها الذي يمنع الفوضى ويُغلق أبواب العبث. هنا يصبح المجتمع شريكًا في الاستمرار، لا مجرد مساحة للحكم؛ لأن الدولة، في جوهرها، عقدٌ ضمنيّ: واجبات تتبادلها الأطراف قبل أن تكون شعارات تُرفع.

ولذلك لا يأتي يوم التأسيس منافسًا لليوم الوطني، بل مكمّلًا له. الأول يعيدنا إلى لحظة الفكرة
حين كان سؤال “كيف نبني الدولة؟” هو السؤال الأكبر. والثاني يحتفي بما أنجزته الفكرة حين تحولت إلى دولة حديثة تُدير التنمية وتُوسّع الخيارات وتُعيد تعريف الممكن.

في زمن التحولات الكبرى التي نعيشها اليوم، تغدو هذه المناسبة أكثر من ذكرى؛ إنها تذكير بأن الدول التي تفهم منطق بدايتها أقدر على إدارة مستقبلها بثقة، وأقل قابلية لأن تُدار بالانفعال. يوم التأسيس، بهذا المعنى، ليس احتفالًا بالماضي بل بوصلة. لأن الأمم لا تضلّ طريقها حين تتغيّر، بل حين تنسى كيف بدأت.