النهار

١٩ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ فبراير-٢٠٢٦       14465

بقلم الإعلامي : محمد الفايز

ليست كل المناصب تصنع قيمة، ولا كل الألقاب تمنح صاحبها هيبة. فبعض الشخصيات ما إن تُمنح فرصة الظهور أو تُعطى مسؤولية منصب أو إدارة حتى تتوهم أنها ارتفعت فوق الناس، وكأن الكرسي سلّمٌ إلى العلو لا أمانةٌ ومسؤولية. وحين يُسأل من يعرفه: من أنت؟ يتكشّف المشهد سريعًا: ضجيج حضورٍ بلا أثر، وصورةٌ أكبر من حقيقتها بكثير.

المشكلة ليست في المنصب، بل في من يظن أن المنصب وُجد له لا أنه وُجد لخدمة الناس. هنا يبدأ الانفصال عن الواقع، ويتحوّل العمل العام إلى مسرحٍ شخصي، والرسالة إلى منفعة، والظهور إلى غاية. وعندما تتقدّم المصلحة الذاتية على القيم، تتراجع الهيبة الحقيقية وتبقى القشرة فقط.
إن أخطر ما يواجه العمل المؤسسي هو أن يتسلل إليه من لا يملك شيمة الإدارة ولا قيمة الخدمة، فيصبح المنصب لديه مساحة للظهور لا مساحة للعطاء، ومنصة للصورة لا منصة للأثر. وحين تضيق الثقافة وتتسع الأنا، تولد لغة متشنجة، ويغيب الاتزان، وتطغى العصبية على الحكمة، فيختل ميزان الكلمة قبل القرار.
متلازمة “عقدة النقص” لا تظهر في الصمت، بل في المبالغة، ولا في الثقة، بل في الاستعراض. تراها في الكلمات المتضخمة، وفي محاولات إثبات الذات على حساب الآخرين، وفي رغبة دائمة بأن يكون الضوء مسلطًا مهما كان الثمن. وهنا تتحول المسؤولية إلى عبء على صاحبها وعلى محيطه، لأن القيادة الحقيقية تبدأ بالتواضع قبل السلطة الإدارية، وبالخدمة قبل المكانة.

التاريخ لا يذكر المناصب بقدر ما يذكر الأثر. والناس لا تحفظ الأسماء بسبب الكراسي، بل بسبب ما قُدِّم لهم من صدقٍ وإنجاز. أما المتكبر الأشر، فمصيره أن يظل أسير صورته، يطارد حضورًا لا يكتمل، ويبحث عن قيمة لا تُشترى بالألقاب ولا تُفرض بالصوت العالي.

فالهيبة لا تُصنع بالصخب، والاحترام لا يُفرض بالقوة، ومن ظن أن المنصب يرفعه بلا عمل، سيكتشف متأخرًا أن المناصب تمرّ ويبقى الأثر.