النهار

١٤ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ فبراير-٢٠٢٦       17490

بقلم - حجاز مصلح 
منذ سبع سنوات، والرياض لا تستضيف أغلى سباق خيل في العالم فحسب، بل تؤسس لمسارٍ متصاعد من التحول الرياضي يعكس رؤية وطن يعيد تعريف موقعه في المشهد الدولي.

فكأس السعودية لم يعد مجرد كأس تُمنح في أمسية تنافسية، بل أصبح مشروعًا استراتيجيًا متكاملًا يعيد تشكيل صورة المملكة على خارطة الرياضة العالمية، ويحوّل مضمار الملك عبدالعزيز إلى نقطة التقاء للنخبة، ومسرحًا تتقاطع فيه الجغرافيا بالطموح.

في نسخته السابعة، لا يقدّم الكأس عنصر المفاجأة بقدر ما يقدّم عنصر الثبات.

والثبات هنا هو المؤشر الأهم على النضج.

فالتجربة لم تعد تبحث عن إثبات حضورها، بل ترسّخ مكانتها. السباق الذي بدأ كخطوة جريئة دخل اليوم مرحلة الرسوخ المؤسسي؛ إذ بات محطة منتظرة في روزنامة الفروسية العالمية، تُقارن بكبرى السباقات الدولية، لا من باب الطموح، بل من واقع المكانة المكتسبة.

هذا التحول من “مجرد سباق ” إلى “حدث عالمي” لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة فهم عميق لطبيعة صناعة الرياضة الحديثة.

فالعالم اليوم لا يقيس قيمة السباقات بحجم الجوائز فقط، بل بجودة التنظيم، وعمق الشراكات، ووضوح الهوية، واستدامة التأثير.

ومن هنا، قدّمت المملكة نموذجًا مختلفًا: لم تكتفِ بجذب الأسماء الكبيرة، بل بنت منظومة متكاملة تحيط بالحدث، من البنية التحتية إلى الحضور الإعلامي، ومن إدارة التجربة إلى صناعة الصورة.

وفي هذا السياق، يتجاوز الكأس كونه فعالية رياضية ليصبح أداة من أدوات القوة الناعمة السعودية.

فالرياضة، في بعدها الحديث، ليست منافسةً جسدية فحسب، بل رسالة حضارية.

حين يجتمع ملاك الخيل من أميركا وأوروبا وآسيا وأستراليا في العاصمة السعودية، فإن حضورهم  يكون جزءًا من تشكيل الصورة الذهنية للمملكة يساهم في إعادة صياغة سردية جديدة عن المملكة: دولة قادرة على الإنتاج، لا الاستهلاك؛ وعلى المبادرة، لا الاكتفاء بالمتابعة.

اقتصاديًا، يكشف الكأس عن وعي كبير بدور الفعاليات الكبرى في تحريك المنظومة التنموية.

فالسباق لا يبدأ وينتهي عند المضمار، بل ينعكس على قطاعات الضيافة والسياحة والإعلام والخدمات اللوجستية.

إنها دورة اقتصادية متشابكة، تُترجم رؤية 2030 عمليًا، حين تتحول الرياضة إلى قطاع منتج يخلق فرصًا، ويعزز التنوع، ويدعم الاقتصاد غير النفطي.

وهنا يتجلى الفارق بين حدث يُنفق عليه، وحدث يُستثمر فيه.

أما ثقافيًا، فإن اختيار الفروسية تحديدًا يمنح المشروع بعدًا رمزيًا عميقًا.

فالمملكة لا تبحث عن رياضة مستوردة تفرض حضورها من الخارج، بل تعيد تقديم أحد جذورها التاريخية بلغة عصرية عالمية.

الحصان العربي، الذي شكّل جزءًا من الذاكرة الثقافية للمملكة، يعود اليوم بوصفه عنصرًا في صناعة المستقبل.

وهكذا يلتقي التراث بالتحديث، لا في صراع، بل في تكامل يعكس هوية واثقة.

النسخة السابعة تحمل دلالة خاصة: فالاستمرارية أصعب من الانطلاقة.

النجاح الأول قد يكون نتاج الحماس، أما النجاح المتكرر فهو نتاج التخطيط والرؤية والانضباط المؤسسي.

وبقاء  كأس السعودية  في صدارة المشهد العالمي سبع سنوات متتالية يؤكد أن ما بُني لم يكن حدثًا عابرًا، بل مشروعًا طويل الأمد يُدار بعقل استراتيجي ونَفَسٍ مستدام.
ختاماً، لم يعد  كأس السعودية  مجرد تتويج لخيل فائز، بل تتويج لمسارٍ وطني متكامل.

إنه قصة وطن أدرك أن الرياضة ليست هامشًا في التنمية، بل إحدى أدواتها المؤثرة.

وبين صهيل الخيل وهدير المدرجات، تتجلى حقيقة أبعد من السباق ذاته: أن الأمم تصنع أمجادها حين تحسن تحويل الرؤية إلى فعل، والفعل إلى تقليد، والتقليد إلى مكانة راسخة في ذاكرة العالم.