الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ نوفمبر-٢٠٢٦       4015

بقلم-د. عبدالواحد الحركان
قبل سنوات طويلة، حين كنت طالبا في مرحلة البكالوريوس، قرأت رواية "الأشياء تتداعى" (Things Fall Apart) للكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي. تحكي الرواية قصة أوكونكو، الرجل الذي بنى مكانته في مجتمعه بقوته وعمله وصرامته، ثم وجد أن العالم الذي اعتاد عليه بدأ يتغير أمام تحولات لم يستطع التكيف معها. قرأتها آنذاك ضمن دراستي الجامعية، وحللت شخصياتها وأحداثها والصراع بين عالم قديم وآخر جديد، في حدود معرفتي وخبرتي في تلك المرحلة. وبعد سنوات طويلة عدت إلى قراءتها، فاكتشفت فيها معاني لم أنتبه إليها من قبل. لم تتغير أحداث الرواية ولا شخصياتها، لكن الطريقة التي أفهم بها ما قرأته تغيرت.
أصبحت أنظر إلى الرواية من خلال ما اكتسبته من خبرات في الدراسة والبحث والتدريس والتعامل مع الناس، وما صاحب تلك الخبرات من تجارب وأسئلة ومراجعات. وأدركت أن تجاربنا لا تؤثر في الطريقة التي نفهم بها النصوص وحدها، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة أيضا. فما نراه اليوم بصورة معينة قد نفهمه بصورة مختلفة بعد سنوات، ليس لأن الواقع تغير بالضرورة، وإنما لأن معرفتنا به أصبحت أوسع، أو لأننا أصبحنا ننظر إليه من زاوية مختلفة. ومن هنا بدأت أتساءل: هل نرى الواقع كما هو، أم نراه من خلال الصورة التي كونتها تجاربنا وقناعاتنا عنه؟
فالإنسان لا يتعامل مع الواقع بمعزل عن خبراته السابقة. نحن نحمل معنا قيمنا وقناعاتنا ونجاحاتنا وإخفاقاتنا ومخاوفنا وتوقعاتنا، وكذلك الصور التي كوناها عن أنفسنا وعن الآخرين. ومن خلال هذه الخبرات نبني تفسيرات لما يحدث حولنا، ثم قد نعتاد عليها إلى درجة أننا نتعامل معها باعتبارها حقائق لا تحتمل الشك. وهنا تكمن المشكلة؛ فليس كل ما نعتقد أنه حقيقة يعكس الواقع كما هو، وقد تكون الصورة التي نتمسك بها نتاج معرفة محدودة أو تجربة شخصية أو حكم سابق لم نحاول اختباره.
والفرق بين الواقع وتفسيرنا له أقرب إلينا مما نظن. فأن تقول: «لم يرد على رسالتي»، فهذا وصف لما حدث، أما أن تقول: «إنه يتجاهلني»، فقد انتقلت إلى تفسير قد يكون صحيحا أو خاطئا. وقد تبني على هذا التفسير موقفا من الشخص، ثم تبدأ في قراءة تصرفاته اللاحقة من خلال الصورة التي رسمتها عنه. وربما تتجاهل مواقف تناقض حكمك، بينما تتذكر كل ما يبدو مؤيدا له. وهكذا قد تتحول فكرة بدأت باعتبارها احتمالا إلى قناعة راسخة، لا لأن الأدلة أثبتتها بالضرورة، بل لأننا أصبحنا نرى الأحداث من خلالها. والمشكلة هنا ليست في اختلاف التفسيرات، وإنما في أن نتوقف عن البحث عما قد يصحح تفسيرنا.
ويزداد هذا السؤال أهمية في ظل التحولات التي نعيشها اليوم، خصوصا في المملكة العربية السعودية، حيث امتدت التغيرات إلى مجالات اجتماعية وثقافية وتعليمية واقتصادية، وفتحت فرصا جديدة وأعادت تشكيل كثير من التصورات حول العمل والمعرفة والمستقبل. ولعل ما استوقفني في رواية «الأشياء تتداعى»، رغم خصوصية ظروفها التاريخية والاجتماعية، هو اختلاف الشخصيات في فهم التحولات التي شهدها مجتمعها. فما رآه أوكونكو تهديدا لمكانته وللقيم والعالم الذي اعتاد عليه، وجد فيه آخرون فرصا للبحث عن الانتماء أو تجاوز بعض أشكال التهميش أو بناء حياة مختلفة. ولا أقصد هنا مقارنة تلك الظروف التاريخية بواقعنا المعاصر، وإنما التأمل في فكرة إنسانية أوسع، وهي أن الإنسان قد يرى التغيير من خلال موقعه ومصالحه وخبراته وما يتوقع أن يكسبه أو يفقده منه، ثم يعتقد أن رؤيته هي التفسير الصحيح لما يحدث.
ومن هذا المنظور، لا تكمن أهمية اختلاف الشخصيات في الرواية في أن لكل منها رأيا مختلفا فحسب، بل في أن كل شخصية كانت تنظر إلى التحولات من داخل عالمها الخاص. فأوكونكو لم يكن يرى مجرد أحداث جديدة، بل كان يراها من خلال تصور راسخ عن القوة والمكانة والقيم التي اعتاد عليها. وما اعتبره تهديدا لم يكن بالضرورة يحمل المعنى نفسه لدى الآخرين. وهذا لا يعني أن جميع التفسيرات صحيحة أو أن اختلاف المصالح يبرر كل موقف، وإنما يوضح كيف يمكن أن يصبح تصور الإنسان عن الواقع أقوى حضورا في ذهنه من استعداده للنظر إليه من زاوية أخرى.
ومن هنا تظهر مفارقة الخبرة؛ فهي من أثمن ما يكتسبه الإنسان، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى فهم أعمق. فقد تتراكم السنوات والتجارب، بينما تبقى الطريقة التي نفكر بها ونحكم على الأشياء دون مراجعة. وتصبح الخبرة أكثر قيمة عندما تساعدنا على فهم المواقف الجديدة، لا عندما نستخدمها دليلا نهائيا على صحة آرائنا. فقد تنجح طريقة معينة سنوات طويلة في الإدارة أو التعليم أو العمل، ثم ننتقل دون أن نشعر من القول: «هذه الطريقة نجحت معي» إلى القول: «هذه هي الطريقة الصحيحة». والفرق كبير؛ فالأولى تعبر عن تجربة تستحق الاحترام، أما الثانية فهي حكم عام يحتاج إلى الاختبار. وقد تكون الطريقة التي نجحت في ظروف معينة أقل ملاءمة لظروف أخرى.
وهذا يساعدنا على فهم بعض المواقف تجاه التغيير. فعندما تدخل تقنية جديدة إلى بيئة العمل، قد يراها شخص فرصة لتطوير أدائه، بينما ينظر إليها آخر أمضى سنوات في بناء خبرته بشيء من القلق. وقد نسارع إلى وصف موقفه بأنه مقاومة للتغيير، بينما يكون ما يشغله هو تأثير التقنية في مكانته المهنية أو قيمة خبرته السابقة. فالمسألة قد تتعلق بالهوية المهنية والشعور بالمكانة والأمان، وليس بالتقنية وحدها. وقد يتمسك كل طرف بتفسيره، دون أن يحاول فهم الأسباب التي جعلت الآخر يصل إلى موقف مختلف. ولهذا فإن نجاح التحولات لا يعتمد على تطوير الأنظمة والإجراءات وحدها، بل على فهم الأشخاص الذين سيطبقونها، وكيف يفسرونها ويتعاملون معها في ممارساتهم اليومية.
ومن الأسباب التي تجعل مراجعة قناعاتنا أمرا صعبا أن بعض الأفكار تصبح مع الوقت جزءا من صورتنا عن أنفسنا. وعندما يناقش شخص آخر إحدى هذه الأفكار، قد نشعر بأنه لا يناقش رأيا نتبناه فحسب، بل يشكك في خبرتنا أو مكانتنا. وفي مثل هذه المواقف قد يتحول الحوار من محاولة فهم الحقيقة إلى الدفاع عن الرأي الشخصي، ويصبح استماعنا للطرف الآخر بحثا عن الرد المناسب أكثر منه محاولة لفهم وجهة نظره. وقد نبحث عما يؤكد موقفنا، ونتجاوز ما يخالفه، حتى عندما تكون هناك أسباب تستحق التوقف عندها. وهنا لا يعود السؤال عما إذا كان رأينا صحيحا، بل كيف نحافظ على اقتناعنا بصحته.
ولا يعني ذلك أن نتخلى عن قناعاتنا أو نتردد في اتخاذ المواقف، وإنما أن نفرق بين امتلاك قناعة تستند إلى معرفة وأدلة، وبين التعامل معها باعتبارها غير قابلة للمراجعة. فقد يكون الآخر محقا في جانب لم ننتبه إليه، وقد تكشف لنا وجهة نظره ما لا نستطيع رؤيته من موقعنا. وفي المقابل، فإن اختلاف التفسيرات لا يجعلها جميعا صحيحة بالضرورة؛ فالأدلة والمعرفة والتحقق تظل ضرورية للتمييز بين الرأي الأقرب إلى الواقع والتصور الذي لا يستند إلى ما يكفي من الشواهد.
ولا تقتصر هذه المسألة على الأفراد؛ فالمؤسسات أيضا تكون تصورات عن نفسها بناء على إنجازاتها وتجاربها السابقة. وقد تتحول الثقة بهذه الإنجازات إلى افتراض أن تقييم المؤسسة لنفسها يعكس الواقع كاملا. ولذلك فإن مراجعة معايير النجاح، والاستماع إلى الملاحظات النقدية، والتمييز بين إطلاق المبادرات وتحقيق نتائجها، أمور ضرورية لأي تطوير حقيقي. وفي المقابل، ينبغي أن يستند نقد المبادرات الجديدة إلى فهم أهدافها وظروفها ومرحلة تنفيذها، لا إلى أحكام مسبقة أو مقارنات بظروف مختلفة. فكل طرف قد يقع في خطأ التمسك بالصورة التي كونها عن الواقع دون أن يراجع مدى دقتها.
وتبدو هذه القضية أكثر حضورا اليوم مع الذكاء الاصطناعي. فقد يراه شخص فرصة لتطوير عمله وتوفير الوقت والجهد، بينما ينظر إليه آخر باعتباره تهديدا لقيمة الخبرة أو الأصالة الفكرية. وقد يستخدمه طالب للحصول على إجابات جاهزة دون تفكير، بينما يستخدمه آخر لمناقشة أفكاره واختبار منطقه واكتشاف جوانب الضعف في حججه. التقنية واحدة، لكن التصورات والاحتياجات وطرق الاستخدام مختلفة. وما يدعو إلى القلق هو أن تتحول هذه الأدوات إلى بديل عن التفكير والتحقق، فتمنح الإنسان شعورا بامتلاك المعرفة دون أن يكون ذلك مصحوبا بفهم حقيقي لها. فسهولة الوصول إلى الإجابة لا تعني بالضرورة صحة الإجابة، ولا تعني أننا بذلنا الجهد الكافي لفهمها.
وتكمن الفائدة العملية من إدراك هذه الاختلافات في طريقة تعاملنا مع الآخرين، سواء في حياتنا الشخصية أو المهنية أو الاجتماعية. فعندما نفهم أن مواقف الناس قد تتشكل من ظروف وتجارب واحتياجات مختلفة عن ظروفنا، نصبح أكثر قدرة على الاستماع إليهم والتريث قبل إصدار الأحكام عليهم. ولا يعني فهم وجهة نظر الآخر الموافقة عليها، كما أن تقبل الاختلاف في الرأي لا يستلزم التخلي عن المبادئ والقيم التي نؤمن بها. وإنما يعني أن نمنح أنفسنا فرصة لفهم الأسباب التي تقف وراء المواقف المختلفة، وأن نختبر أحكامنا قبل أن نتعامل معها باعتبارها حقائق نهائية. وهذا الفهم يساعدنا على بناء حوار أكثر نضجا، واتخاذ أحكام أكثر إنصافا، والتمييز بين ما يستحق المحافظة عليه وما يحتاج إلى مراجعة أو تطوير.
وهنا أعود إلى رواية «الأشياء تتداعى» التي قرأتها في مرحلة البكالوريوس ثم عدت إليها بعد سنوات. لم أجد رواية مختلفة، وإنما اكتشفت أن تجاربي وخبراتي جعلتني أرى فيها جوانب لم أكن أنتبه إليها في قراءتي الأولى. وربما يحدث الأمر نفسه في حياتنا؛ فقد نعود إلى أشخاص عرفناهم، أو أفكار آمنا بها، أو مواقف أصدرنا أحكاما بشأنها، ثم نكتشف أن فهمنا السابق لم يكن كاملا، وأن بعض ما اعتقدنا أنه حقيقة لم يكن سوى تفسير بنيناه في ضوء ما كنا نعرفه آنذاك.
ولعل من علامات النضج الفكري أن نظل مستعدين لمراجعة فهمنا للأشياء، مهما بلغت خبرتنا أو ثقتنا بآرائنا. ومن الأسئلة التي أرى أنها تستحق أن نطرحها على أنفسنا، خصوصا عندما نكون واثقين تماما من تفسيرنا لموقف أو فكرة: ما الذي لا أراه بعد؟ فالخبرة الحقيقية لا تعني التمسك بكل ما عرفناه في الماضي، بل الاستفادة مما تعلمناه مع الاستعداد لمراجعة أفكارنا عندما تتسع معرفتنا أو تظهر شواهد جديدة. وربما لا نستطيع أن ننظر إلى الواقع بمعزل تماما عن تجاربنا وقناعاتنا، لكننا نستطيع أن نكون أكثر وعيا بتأثيرها في أحكامنا. وما تعلمته من عودتي إلى تلك الرواية هو أن الأشياء قد تبقى كما هي، بينما يتغير فهمنا لها. ولعل ما نحتاج إليه ليس أن نتخلى عن قناعاتنا، بل ألا نسمح للصورة التي رسمناها عن الواقع أن تمنعنا من البحث عن حقيقته.