الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ نوفمبر-٢٠٢٦       3795

بقلم- د. عبدالرحمن بن دحام السفان 
في أول خميس من شهر نوفمبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم الدولي لمكافحة جميع أشكال العنف والتنمر في المدارس، بما في ذلك التنمر الالكتروني، وهي مناسبة أقرتها الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو بهدف تسليط الضوء على خطورة هذه الظاهرة، وتعزيز الجهود الرامية الى توفير بيئة تعليمية آمنة تحمي الطلبة، وتصون كرامتهم، وتضمن لهم حق التعليم بعيداً عن الخوف والإيذاء. 
قد يتعرض طفل للسخرية في مدرسته بسبب أسنانه الأمامية البارزة، أو عدم انتظام ابتسامته، أو اختلاف لون أسنانه. وقد يئس يسمع كلمات جارحة تتكرر كل يوم، فيبدأ تدريجيًا بإخفاء ابتسامته، ويتجنب الضحك أمام الآخرين، وربما يفقد ثقته بنفسه دون أن يخبر أحدًا بما ثق يعانيه.
قد تبدو هذه المواقف بسيطة للبعض، لكنها قد تترك أثرًا كبيرًا في نفس الطفل. وهنا تظهر علاقة قد لا ينتبه إليها كثيرون: العلاقة بين صحة الفم والأسنان والتنمر المدرسي.
فالتنمر لا يكون دائمًا بسبب تصرف أو اختلاف في الشخصية، بل قد يستهدف أحيانًا المظهر الخارجي، وتحديدًا الأسنان والابتسامة. ولذلك فإن دور طب الأسنان في هذه القضية يتجاوز علاج التسوس والألم، ليصل إلى المساهمة في حماية الطفل نفسيًا واجتماعيًا.
كيف تصبح الأسنان سببًا للتنمر؟
قد تكون بعض مشكلات الأسنان، مثل بروز الأسنان الأمامية، أو عدم انتظامها، أو التصبغات والعيوب الظاهرة، سببًا لتعليقات ساخرة من بعض الطلاب.
ومع تكرار هذه التعليقات، قد يبدأ الطفل بالشعور بالإحراج، ويحاول إخفاء أسنانه عند الابتسام أو الحديث، وقد يتجنب المشاركة في الأنشطة المدرسية أو الاختلاط بزملائه.
وقد أظهرت دراسات علمية أن بعض مشكلات اصطفاف الأسنان ومظهر الوجه ترتبط بزيادة احتمالية تعرض الأطفال للتنمّر، وهو ما يجعل الاهتمام بصحة الفم والأسنان جزءًا مهمًا من الاهتمام بصحة الطفل وجودة حياته.
طبيب الأسنان، قد يلاحظ ما لا يقوله الطفل
قد يكون طبيب الأسنان من أوائل الأشخاص الذين يلاحظون أن الطفل يعاني من مشكلة تتجاوز الجانب الصحي.
فأثناء الفحص، يمكنه ملاحظة تردد الطفل في الابتسام، أو محاولته إخفاء أسنانه، أو شعوره بالإحراج من مظهرها. وهنا لا ينبغي أن يقتصر دوره على تشخيص المشكلة وعلاجها، بل يمكنه أن يسأل الطفل بلطف عما إذا كان يتعرض لتعليقات مزعجة بسبب أسنانه.
ومن خلال الفحص، يستطيع الطبيب تحديد العلاج المناسب، سواء كان علاجًا للأسنان المتضررة، أو ترميمًا لبعض العيوب، أو تقويمًا للأسنان عند الحاجة، مع توجيه الأسرة إلى الاختصاص المناسب.
وقد تساعد هذه العلاجات الطفل على استعادة ثقته بابتسامته، والتحدث والضحك براحة أكبر.
لكن من المهم أن نتذكر أن الاختلاف في شكل الأسنان ليس عيبًا، وليس كل طفل يحتاج إلى علاج تجميلي أو تقويم. كما أن علاج الأسنان لا يعفي المدرسة من مسؤوليتها في إيقاف التنمّر؛ فالخطأ ليس في الطفل الذي يختلف مظهره، بل فيمن يسخر منه.
الوالدان، أول من يستطيع اكتشاف المشكلة
قد لا يخبر الطفل والديه بأنه يتعرض للتنمّر، لكنه قد يعبّر عن معاناته بطرق غير مباشرة؛ كرفض الذهاب إلى المدرسة، أو الانعزال، أو التردد في الابتسام والتصوير، أو إخفاء فمه عند الضحك.
لذلك، من المهم أن ينتبه الوالدان لهذه التغيرات، وأن يفتحا باب الحوار مع أبنائهما دون إحراج أو لوم.
ويمكن للأهل المساهمة في حماية أطفالهم من خلال خطوات بسيطة:
⦁    استمع لطفلك: اسأله عن يومه وأصدقائه، وما إذا كان أحد يضايقه أو يسخر منه، دون أن تشعره بأنه موضع استجواب.
⦁    لا تقلل من مشاعره: إذا اشتكى من السخرية بسبب أسنانه، لا تقل له إنها مجرد مزحة، بل أكد له أن من حقه أن يشعر بالاحترام والأمان.
⦁    انتبه لابتسامته: إذا أصبح يتجنب الضحك أو يغطي فمه باستمرار، حاول معرفة السبب دون أن تلفت انتباهه بطريقة تحرجه.
⦁    احرص على الفحص الدوري للأسنان: زيارة طبيب الأسنان لا تقتصر على علاج الألم والتسوس، بل تساعد على اكتشاف المشكلات مبكرًا ومناقشة الخيارات العلاجية المناسبة.
⦁    تعاون مع المدرسة: إذا كان الطفل يتعرض للتنمر، تواصل مع المدرسة لمعالجة المشكلة ومنع تكرارها، ولا تكتفِ بعلاج آثارها.
⦁    عزز ثقته بنفسه: علّمه أن قيمته لا ترتبط بشكل أسنانه أو مظهره، وأن الاختلاف أمر طبيعي لا يبرر السخرية منه.
ابتسامة الطفل مسؤوليتنا جميعًا
إن مكافحة التنمر مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والقطاع الصحي. فالوالدان يكتشفان التغيرات ويقدمان الدعم، والمدرسة توفر بيئة آمنة، وطبيب الأسنان يساهم في اكتشاف المشكلات الصحية وعلاجها، وقد يساعد بذلك في إزالة أحد أسباب الإحراج الذي يعاني منه بعض الأطفال.
وفي اليوم الدولي لمكافحة جميع أشكال العنف والتنمر في المدارس، علينا أن نتذكر أن بعض الأطفال لا يحتاجون فقط إلى علاج أسنانهم، بل يحتاجون أيضًا إلى من يسمعهم، ويفهم معاناتهم، ويقف بجانبهم.
فلا ينبغي أن يخجل طفل من ابتسامته، ولا أن يخفي أسنانه خوفًا من تعليق جارح، ولا أن يشعر بأن مظهره يقلل من قيمته.
لنعمل معًا من أجل جيل يبتسم بثقة، ويحترم اختلاف الآخرين، ويدرك أن جمال الابتسامة لا يكمن في انتظام الأسنان فقط، بل في الاحترام والقبول والثقة التي تحملها