بقلم-نادية الجودي
متى يتحول الصبر من فضيلة إلى عبء نفسي؟ ومتى يصبح التغاضي عن التجاوزات إذنًا غير معلن باستمرارها؟
تبدأ بعض العلاقات بتجاوزات صغيرة؛ كلمة جارحة تُبرر بالمزاح، وموقف مهين يُختزل في سوء فهم، ومطالب متكررة تتجاوز حدود الاستطاعة. يمضي الإنسان متسامحًا حرصًا على المودة، حتى يجد نفسه أمام سلوك اعتاد صاحبه غياب الاعتراض، فتحولت المجاملة إلى التزام والتنازل إلى حق مكتسب.
تكمن المفارقة في أن الصمت الذي نختاره اتقاءً للخلاف قد يمنحه أسباب الاستمرار. فالمشكلات المؤجلة تتراكم في النفوس وقد تتحول مع الوقت إلى استياء يصعب احتواؤه، خصوصًا حين يفسر الطرف الآخر التسامح المتكرر بوصفه قبولًا دائمًا.
ومن أكثر المفاهيم التباسًا في العلاقات الإنسانية الخلط بين الطيبة والتنازل المستمر، وبين الحلم واحتمال الإهانة، وبين الوفاء والتضحية بالسلام النفسي. فقد ترسخت لدى البعض قناعة بأن المحبة تقاس بمقدار ما نتحمله من أعباء، وأن الاعتراض على الإساءة ضرب من الجفاء، حتى أصبح الإنسان مطالبًا أحيانًا بإثبات صدق مشاعره على حساب كرامته.
وتزداد الإشكالية حين يتخفى الاستنزاف العاطفي خلف عبارات الاهتمام والعتاب؛ فتُستدعى المحبة لفرض التنازلات، ويُوظف الشعور بالذنب لإدامة علاقة مختلة التوازن. وعندما يقرر أحد الطرفين استعادة مساحته الشخصية، قد يُتهم بالقسوة أو الأنانية، لأن الحدود الجديدة أنهت امتيازات اعتادها الآخر دون مساءلة.
غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين الاستغلال المتعمد واختلاف التوقعات؛ فبعض التجاوزات تنشأ عن ضعف الوعي أو قصور التواصل، وتظل المصارحة الهادئة فرصة للإصلاح قبل اتخاذ مواقف حاسمة.
إن وضع الحدود الشخصية تعبير عن النضج والمسؤولية، فهو يحفظ للإنسان حقه في الاحترام، ويمنح الآخرين تصورًا واضحًا لما يقبله من تعامل. والحزم الواعي يجمع بين صيانة الكرامة ومراعاة المشاعر، بعيدًا عن القسوة أو توظيف المسافة وسيلة للعقاب.
ولعل أشد صور الاستنزاف وطأة أن يعتاد المرء تأجيل احتياجاته خشية خسارة الآخرين، فيربط قيمته بما يقدمه لهم، ويشعر بالذنب كلما اختار راحته. ومع تراكم الضغوط، تتراجع الطمأنينة، وتصبح العلاقة التي يُفترض أن تمنحه الأمان مصدرًا للقلق والإرهاق.
والعلاقات الجديرة بالاستمرار هي التي تحتمل المصارحة، وتفسح مجالًا للاختلاف، وتقوم على التقدير المتبادل. أما حين تتكرر التجاوزات رغم وضوح الموقف ومحاولات الإصلاح، فقد تصبح إعادة تنظيم المسافة ضرورة لحماية التوازن النفسي.
إن التسامح فضيلة حين يصدر عن وعي واختيار، والعطاء يسمو حين تحكمه العدالة، والمحبة تكتسب قيمتها من الاحترام المتبادل. فالعلاقة السليمة تمنح الإنسان مساحة ليكون على سجيته وتحفظ له كرامته دون أن تجعله أسيرًا للخوف من الفقد.
ويبقى السؤال: ما قيمة علاقة نحافظ على بقائها، بينما نفقد في سبيلها شيئًا من أنفسنا؟