الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ نوفمبر-٢٠٢٦       2640

عيسى المزمومي – النهار – الشرقية

أكد المدير العام لمركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم، الدكتور عبدالرحمن بن إبراهيم المديرس، أن الاستخدام الواعي والمدروس للتقنية يمثل نهجًا أساسيًا في توظيف الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تعليم الطفل وتنمية قدراته، مشددًا على أهمية تحقيق التوازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة والمحافظة على الدور التربوي والإنساني للأسرة والمعلم.
وأوضح المديرس، في حوار خاص لـ«النهار»، أن رعاية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية، لهاكثون الطفولة، تجسد اهتمام القيادة الرشيدة بالاستثمار في الإنسان منذ مراحله العمرية المبكرة، وتعكس أهمية المبادرات النوعية التي تستهدف تطوير بيئة الطفولة وتعزيز جودة التعليم.
وأشار إلى أن مخرجات الهاكثون، ولا سيما الابتكارات التقنية، يمكن أن تسهم في تقديم حلول عملية لرفع جودة التعليم المبكر، وتعزيز جاذبيته لدى الأسر، إلى جانب توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير تجارب التعلم، ومساندة المعلمين بأدوات التحليل والمحتوى التفاعلي، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية.
وشدد على أن الطفولة المبكرة ليست مجرد مرحلة تأسيسية في المسيرة التعليمية، بل تمثل استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان، تتشكل خلالها أسس التعلم والنمو والإبداع، وتتحدد ملامح المستقبل.
وفيما يلي نص الحوار:

السؤال الأول:
يُعد مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم منصة إقليمية ونافذة تعليمية وحضارية، وله خارطة استراتيجية رائدة في مجال جودة التعليم وتميزه. ما أبرز الأدوار التي يقدمها المركز دعمًا لمرحلة الطفولة المبكرة؟

الدكتور عبدالرحمن المديرس:

بدايةً، نشكركم على مبادرتكم وإسهامكم في تعزيز جودة رعاية وتعليم الطفولة المبكرة على المستوى الوطني.

يُعد مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم من أوائل المراكز العالمية المتخصصة في جودة التعليم تحت إشراف منظمة اليونسكو، ويتخذ من المملكة العربية السعودية، وتحديدًا مدينة الجبيل الصناعية بالمنطقة الشرقية، مقرًا له. ويضطلع بدور محوري بوصفه منصة إقليمية لنشر ثقافة الجودة والتميز، ويتطلع إلى توسيع نطاق حضوره ليصبح مركزًا عالميًا.

وينطلق المركز من إيمان راسخ بأن الطفولة المبكرة ليست مجرد مرحلة تأسيسية في التعليم، بل استثمار استراتيجي في الإنسان، تتشكل خلالها أسس التعلم والنمو والإبداع، وتتحدد ملامح المستقبل، كما تمثل إحدى أهم مرتكزات التنمية المستدامة وبناء منظومة تعليمية عالية الجودة.

ومن هذا المنطلق، وضع المركز جودة رعاية وتعليم الطفولة المبكرة ضمن أولوياته الاستراتيجية، وعمل على إعداد عدد من المشاريع الإقليمية، من أبرزها التقرير الإقليمي الهادف إلى رفع نسب الاستيعاب في مرحلة الطفولة المبكرة بالدول العربية.

كما قاد المركز، بالشراكة مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو»، مشروع تطوير «الإطار المعياري العربي لتقويم جودة مؤسسات الطفولة المبكرة»، الذي يهدف إلى توفير مرجعية استرشادية موحدة للدول العربية لضمان جودة البرامج والبيئات التعليمية في هذه المرحلة الحساسة، التي تمثل أساسًا متينًا لجودة النظام التعليمي بأكمله.

وفي السياق ذاته، نفذ المركز بالتعاون مع «الألكسو» الملتقى العربي لجودة مؤسسات الطفولة المبكرة، بمشاركة الخبراء وصناع القرار، بهدف تبادل التجارب الرائدة وأفضل الممارسات الدولية في هذا المجال، فضلًا عن جهوده المستمرة في دعم وزارات التربية والتعليم لتطوير سياسات جودة الطفولة المبكرة.

السؤال الثاني:
تُعد التقنية أحد المجالات التي يناقشها هاكثون الطفولة. كيف يمكن توظيف هذا المجال في تربية الطفل وتعليمه بصورة تحقق الفائدة المرجوة؟

الدكتور عبدالرحمن المديرس:

نحن في مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم ننظر إلى التقنية بوصفها وسيلة لتمكين الطفل من التعلم والنمو والإبداع، وليست غاية في حد ذاتها أو بديلًا عن الدور الإنساني للمعلم والأسرة.

فالسؤال الأهم ليس: كيف ندخل التقنية إلى حياة الطفل؟ بل كيف نوظفها بوعي ومسؤولية لتقديم تعلم أفضل، وتجربة تربوية أكثر ثراءً، وفرص أكثر إنصافًا لجميع الأطفال؟

إن توظيف التقنية في تربية الأطفال وتعليمهم يحمل أبعادًا متعددة؛ فإلى جانب المنافع النمائية والتعليمية، توجد مخاطر تستوجب الانتباه، ولذلك فإن الاستخدام الواعي والمدروس هو النهج الأمثل.

فعلى سبيل المثال، يمكن الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال التعلم الشخصي والتكيفي، من خلال تقديم محتوى تعليمي يتناسب مع قدرات كل طفل ووتيرة تعلمه، بما يعزز مهاراته الفردية.

وفي مجال تنمية الإبداع والمهارات الحركية، يمكن توظيف الروبوتات التعليمية والبرمجة المبسطة لتنمية التفكير الحسابي ومهارات حل المشكلات، فضلًا عن تعزيز الإبداع لدى أطفال الروضة.

كما يمكن للتطبيقات التفاعلية الذكية أن تسهم في تعزيز التفاعل الاجتماعي، وتحفيز النقاش والحوار بين الأطفال أنفسهم وبينهم وبين المعلم، بدلًا من أن تتحول التقنية إلى وسيلة للعزلة الرقمية.

ومن هنا تبرز أهمية التربية الرقمية؛ إذ ينبغي أن نعلّم الطفل كيف يتعلم، وليس فقط ماذا يتعلم عبر التقنية، مع ترسيخ مفاهيم السلامة الرقمية والاستخدام الأخلاقي، وتأهيل المعلمين لدمج الأدوات التقنية في المناهج بصورة هادفة ومدروسة.

السؤال الثالث:
ما الطرق العلمية الكفيلة بتحويل المبادرات والأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق والتجريب، تضمن جودة المخرجات، خصوصًا في مجال الطفولة؟

الدكتور عبدالرحمن المديرس:

يتطلب تحويل المبادرات والأفكار إلى مشاريع ناجحة في مجال الطفولة الانتقال من الإبداع في طرح الفكرة إلى المنهجية العلمية في تصميمها، والتجريب في تطبيقها، والقياس في تقييم أثرها.

ولضمان جودة المخرجات، لا بد من اتباع منهجية علمية قائمة على نهج الجودة، تضع احتياجات المستفيدين في مقدمة الأولويات، وتبدأ بالتشخيص القائم على الأدلة، من خلال فهم الاحتياجات الفعلية بالاستناد إلى البيانات والأبحاث والدراسات، مثل معدلات الالتحاق بالتعليم المبكر والتحديات المرتبطة بنمو الطفل وتطوره.

كما تتطلب هذه المنهجية اعتماد التحكيم المرحلي وقياس الأثر، عبر وضع مؤشرات أداء واضحة منذ بداية المشروع، وإخضاع المبادرات لتقييم المختصين والمحكمين في مراحل متعددة، للتأكد من جودتها وقابليتها للتطبيق قبل الانتقال إلى المراحل اللاحقة.

ومن العناصر المهمة أيضًا بناء الشراكات مع الجهات التنفيذية والمعنية منذ المراحل الأولى لتصميم المبادرات، وإشراكها في تطوير الأفكار، بما يضمن واقعيتها وقابليتها للتبني والتنفيذ، ويعزز فرص استدامتها بعد انتهاء الهاكثون.

السؤال الرابع:
تمثل رعاية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية، لهاكثون الطفولة دعمًا كبيرًا لتعليم الطفل وتنمية قدراته وتطوير مهاراته. كيف يمكن ربط مخرجات هذا الحدث بمستهدفات رؤية السعودية 2030؟

الدكتور عبدالرحمن المديرس:

إن الرعاية الكريمة من صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية، تؤكد الاهتمام الراسخ للقيادة بالاستثمار في الإنسان منذ مراحله المبكرة، وتعكس أهمية المبادرات التنموية التي تسهم في بناء أجيال قادرة على مواكبة متطلبات المستقبل.

ويمكن ربط مخرجات الهاكثون بمستهدفات رؤية السعودية 2030 من خلال عدد من الأبعاد الاستراتيجية، يأتي في مقدمتها برنامج تنمية القدرات البشرية، الذي يستهدف تطوير منظومة التعليم وتعزيز جودة مخرجاتها، ومن بينها التوسع في التعليم المبكر ورفع نسب الالتحاق برياض الأطفال.

وفي هذا الإطار، يمكن للمخرجات الابتكارية، ولا سيما التقنية منها، تقديم حلول تسهم في تحسين جودة التعليم المبكر وجعله أكثر جذبًا للأسر، بما يدعم تحقيق المستهدفات الوطنية.

كما يتزامن الهاكثون مع تنامي دور الذكاء الاصطناعي في مختلف أنشطة الحياة المعاصرة، الأمر الذي يتيح فرصًا واعدة لتوظيف التقنيات المتقدمة في تطوير تجربة تعلم الطفل، ودعم المعلمين من خلال أدوات التحليل والمحتوى التفاعلي، إلى جانب تعزيز أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي وحماية الأطفال في البيئة الرقمية.

ويمكن لهذه المبادرات أن تسهم في تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين لدى الأطفال، مثل التفكير الناقد وحل المشكلات والفضول العلمي، فضلًا عن إمكانية احتضان الأفكار الفائزة وتطويرها إلى مشروعات وشركات ناشئة، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويشجع الاستثمار في المحتوى التعليمي الرقمي الموجه للطفل العربي.

ولا تقتصر أهمية المخرجات على الجوانب التعليمية والتقنية، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والسلامة؛ إذ يمكن تطوير حلول مبتكرة لدعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعزيز السلامة الرقمية، وتوفير منصات تساعد الوالدين والمربين على متابعة النمو النمائي والسلوكي للأطفال، إلى جانب تقديم بدائل رقمية آمنة وذات قيمة تعليمية وترفيهية.

وتنسجم هذه المبادرات مع مستهدفات برنامج جودة الحياة، من خلال الارتقاء بجودة حياة الطفل والأسرة، والحد من المخاطر الرقمية، وتوفير خيارات تعليمية وتربوية تعزز الوعي الأسري والتلاحم المجتمعي.

وفي ختام الحوار، أكد الدكتور عبدالرحمن المديرس أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نجاح الهاكثون بوصفه حدثًا ابتكاريًا فحسب، بل في قدرته على إطلاق حلول نوعية قابلة للتطبيق، وتحقيق أثر مستدام يصل إلى الأطفال وينعكس إيجابًا على تعلمهم ونموهم وجودة حياتهم.

وأضاف أن تحويل الأفكار الفائزة إلى مشروعات مستدامة من شأنه أن يجعل الرعاية الكريمة منطلقًا لأثر تنموي يتجاوز حدود المبادرة، ويسهم في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، ويعزز مكانة المنطقة الشرقية نموذجًا في الابتكار المجتمعي والاستثمار في الإنسان.