الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ اكتوبر-٢٠٢٦       3575

بقلم-علي بن عيضة المالكي
تختصر عبارة ( ألم الدراسة لحظة وينتهي، لكن إهمالها ألم يستمر مدى الحياة) مفارقة تستحق التأمل؛ فهي تضع الإنسان أمام كلفة الاختيار، وتفتح بابًا للنقد يتجاوز الطالب الذي يهمل دراسته إلى المجتمع الذي يحدد معنى التعليم، والمؤسسة التي تقيس مخرجاته، والثقافة التي تمنح الشهادة قيمة قد تفوق قيمة المعرفة ذاتها.
غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بمشقة الدراسة وحدها، وإنما بطبيعة الألم الذي نتحدث عنه: هل يتألم الإنسان لأنه يتعلم، أم لأنه يعيش داخل منظومة جعلت التعلم واجبًا ثقيلًا، وفصلت المعرفة عن متعة الاكتشاف، وربطت النجاح بالخوف من الإخفاق؟ هنا تبدأ المسألة الفلسفية؛ فالتعليم الذي يوقظ العقل لا ينبغي أن يتحول إلى عبء يطفئ فضوله، والمعرفة التي توسع حرية الإنسان لا يصح أن تختزل في مجموعة من الاختبارات التي تقيس قدرته على استعادة ما حفظه.
لقد اعتاد كثيرون النظر إلى التعليم بوصفه طريقًا مضمونًا إلى المستقبل، مع أن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه المعادلة. فالشهادة قد تفتح بابًا، لكنها لا تضمن حسن العبور، والتحصيل قد يمنح صاحبه فرصة، لكنه لا يصنع وحده عقلًا ناقدًا أو شخصية قادرة على اتخاذ القرار. وبين امتلاك المعرفة والقدرة على توظيفها مسافة تكشفها الممارسة، ويختبرها الواقع، وتظهر قيمتها حين يواجه الإنسان سؤالًا لا يجد إجابته في صفحات الكتاب.
ومن هنا، يصبح نقد التعليم ضرورة فكرية، لا انتقاصًا من قيمته. فالمؤسسة التعليمية التي تكتفي بتخريج متعلمين يجيدون اجتياز الاختبارات قد تحقق نتائج رقمية مقبولة، لكنها تحتاج إلى مراجعة أثرها في بناء التفكير المستقل. والطالب الذي يتقن الحفظ دون أن يتعلم التحليل قد يمتلك رصيدًا من المعلومات، لكنه يظل بحاجة إلى أدوات تساعده على فحصها وربطها بالواقع. أما المعلم الذي يطالب طلابه بإجابات محفوظة، ثم يعاقب اختلافهم في الرأي، فإنه يضعف القيمة التي يفترض أن يحملها التعليم: تحرير العقل من التبعية، وتنمية قدرته على السؤال والاستدلال.
ولا تقف المشكلة عند حدود المدرسة؛ فالمجتمع نفسه قد يشارك في إضعاف قيمة المعرفة حين يحتفي بالمظاهر أكثر من احتفائه بالكفاءة، ويقيس مكانة الإنسان بما يحمل من ألقاب، لا بما يقدمه من عمل نافع. عندئذ تتحول الشهادة من وثيقة تثبت مسارًا تعليميًا إلى غاية مستقلة، ويصبح السؤال عن عدد الشهادات أكثر حضورًا من السؤال عن نوعية الفكر الذي صنعته. وفي هذه البيئة، قد ينجح الإنسان في جمع المؤهلات، بينما تظل علاقته بالقراءة ضعيفة، وقد يتخرج من مؤسسة تعليمية دون أن يكتسب شغفًا حقيقيًا بالبحث أو استعدادًا لمراجعة أفكاره.
ومع ذلك، فإن تحميل الطالب وحده مسؤولية التعثر لا يقدم تفسيرًا عادلًا للمشكلة. فالإهمال قد يرتبط بضعف الدافعية، وقد يرتبط ببيئة لا تساعد على التعلم، أو بمناهج لا تخاطب احتياجات المتعلمين، أو بأساليب تعليمية تجعل المعرفة بعيدة عن أسئلتهم اليومية. ومن مقتضيات النقد الموضوعي أن نميز بين طالب يملك الفرصة ويهدرها، وطالب يحتاج إلى من يكتشف قدراته، وآخر يواجه ظروفًا تعوق تقدمه. فالعدالة التعليمية تبدأ حين نفهم اختلاف الظروف، ونصمم فرصًا تمنح كل متعلم إمكانية حقيقية للنمو.

أما مقولة إن ألم الدراسة ينتهي، وألم إهمالها يستمر مدى الحياة، فتحتاج هي الأخرى إلى قراءة نقدية. فالحياة لا تغلق أبوابها في وجه من تعثر في تعليمه، والإنسان يستطيع استعادة كثير من الفرص بالتعلم الذاتي والتجربة والعمل. وفي المقابل، قد يشعر المتفوق بضيق شديد إذا تحول تفوقه إلى سباق لا ينتهي لإرضاء الآخرين. لذلك لا ينبغي أن نجعل العبارة حكمًا نهائيًا على مصائر الناس، وإنما دعوة إلى تقدير الفرصة التعليمية، وإدراك ما يترتب على التفريط فيها، مع الاحتفاظ بالإيمان بقدرة الإنسان على التغيير والتعويض.
إن القيمة الحقيقية للتعليم تظهر حين يصبح العقل أكثر قدرة على التمييز، ويصبح الإنسان أكثر استقلالًا في أحكامه، وأكثر استعدادًا لتحمل مسؤولية قراراته. فالمعرفة التي لا تغير طريقة النظر إلى الأشياء قد تبقى معلومات متراكمة، والثقافة التي لا تنعكس على السلوك قد تتحول إلى زينة لغوية، والشهادة التي لا تسندها كفاءة عملية تظل عاجزة عن إثبات جدارتها في الميدان.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم يتجاوز مطالبة الطالب بالاجتهاد إلى مساءلة المنظومة التعليمية بأكملها: هل نعلّم أبناءنا كيف يفكرون، أم ندرّبهم على الوصول إلى الإجابة التي نريدها؟ هل نمنحهم القدرة على اكتشاف المعرفة، أم نجعلهم أسرى لما نقدمه لهم؟ وهل نحتفي بالمتعلم لأنه حصل على درجة مرتفعة، أم لأن تجربته التعليمية أضافت إلى وعيه وقدرته على الإبداع؟
إن التعليم يستحق الدفاع عنه، لكنه يستحق أيضًا النقد الذي يصون معناه من الاختزال. فليس المقصود أن نخفف قيمة التحصيل، وإنما أن نمنحه غايته الصحيحة؛ وليس المطلوب أن نتجاهل مشقة الدراسة، وإنما أن نفهم كيف تتحول المشقة إلى خبرة بناءة حين تتصل بهدف واضح ومعنى يستحق السعي.
في النهاية، لا تكمن مأساة التعليم في أن الطالب يبذل جهدًا، وإنما في أن يبذل جهده دون أن يدرك قيمة ما يتعلمه؛ ولا تكمن أزمته في وجود الاختبارات، وإنما في أن تتحول الاختبارات إلى المقياس الوحيد للمعرفة. فالمجتمعات التي تريد مستقبلًا مختلفًا تحتاج إلى عقول تتجاوز استعادة الإجابات إلى صناعة الأسئلة، وتتجاوز امتلاك المعلومات إلى فحصها وتوظيفها.
التعليم الحقيقي لا يصنع إنسانًا يعرف أكثر فحسب، وإنما يصنع إنسانًا يرى بوضوح أكبر، ويفكر باستقلال أعمق، ويملك شجاعة مراجعة ما يعتقد أنه يعرفه. وحين نبلغ هذه الغاية، تصبح مشقة الدراسة جزءًا من رحلة بناء الإنسان، لا مجرد ثمن يدفعه للحصول على شهادة.