الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ اكتوبر-٢٠٢٦       4620

بقلم ـ هيا الكريديس

لم أكن أعلم أن اليُتم قد يعود إلينا في صورة شخصٍ آخر، وأن القلب الذي ظنّ أنه تعلّم كيف يعيش بعد الفقد، قد يُفاجأ بفقدٍ جديد يعيد إليه وجعه الأول، كأن السنوات التي مضت لم تكن سوى هدنة قصيرة بين حزنٍ وحزن.
منذ سنوات، رحل أبي، ورحل معه شيءٌ لا يمكن للكلمات أن تصفه. ظننتُ أنني تعلّمتُ كيف أعيش بغيابه، وكيف أُخفي اشتياقي خلف انشغالات الحياة، حتى جاء صالح… أخي الذي كنت أرى أبي فيه، وأشعر بقرب والدي كلما تأملت ملامحه، أو أنصتُّ لصمته، أو رأيت تلك الابتسامة التي اعتدناها منه.
كنت أظن أن صالح سيبقى طويلًا، وأن الأيام ستمنحني معه متسعًا من الوقت، وأن وجوده حقيقة لا تحتاج إلى خوف، وأن لي في هذه الحياة سندًا يشبه أبي، ووجهًا ألوذ به كلما أثقلني الحنين.
لكن الموت لا يستأذن أمنياتنا، ولا ينتظر حتى نكون مستعدين للوداع.
رحل صالح فجأة، تاركًا خلفه أسئلة لا إجابات لها، وفراغًا لا يشبه أي فراغ. رحل، ولم أكن أعلم أن تلك الملامح التي ألفتها، والصوت الذي اعتدت سماعه، والابتسامة التي كانت تمرّ على وجهه، ستتحول يومًا إلى ذكريات أفتش عنها في زوايا الذاكرة، وأحاول أن أستعيدها كلما اشتد بي الشوق.
كنت أفهم صالح دون أن يتكلم. كنت أقرأ ما وراء ابتسامته، وأعرف أن تلك الابتسامة التي اعتدناها لم تكن تعني دائمًا أن قلبه بخير. كنت أشعر بما يخفيه خلفها من حزن وألم واشتياق، وأدرك أن بعض الأرواح تتقن إخفاء أوجاعها، لا لأنها لا تتألم، بل لأنها اعتادت أن تمضي في الحياة دون أن تُثقل على الآخرين بما تحمله.
كم من مرة ابتسم صالح، وفي داخله ما لا نعرفه إلا الله؟ وكم من وجعٍ مرّ به ولم يفصح عنه؟ وكم من شوقٍ خبّأه خلف هدوئه، حتى صرنا نظن أن الابتسامة حكاية قلبه كلها، بينما كانت تخفي حكايات أخرى لا يعلم عمقها إلا من أحبّه بصدق.
ربما لهذا كان فقده مختلفًا؛ لأنني لم أفقد أخًا فحسب، بل فقدتُ وجهًا كنت أرى فيه أبي، وقلبًا كنت أشعر معه بشيء من الأمان الذي افتقدته منذ رحيل والدي.
بعد أبي، كنت أظن أنني تجاوزتُ قسوة اليُتم، أو على الأقل تعلّمت كيف أساكنه. لكن رحيل صالح أعادني إلى البدايات؛ إلى ذلك الشعور القديم حين تبحث العين عن وجهٍ لن يعود، وحين يظل القلب ينتظر صوتًا يعرف، في أعماقه، أنه لن يسمعه كما كان.
أدركتُ أن اليُتم ليس عمرًا صغيرًا ينتهي حين نكبر، ولا حزنًا تمحوه السنوات. اليُتم شعور قد يسكننا طويلًا، ثم يستيقظ فجأة حين نفقد شخصًا كان يمنح أرواحنا شيئًا من الطمأنينة، أو حين نرى في أحدهم ملامح من رحلوا قبل أن نكتفي منهم.
يا صالح، لم أكن أظن أنني سأكتب عنك بصيغة الغياب، ولم أتصور أنني سأحاول جمعك في كلمات، بعدما كنت أراك أمامي وأفهم ما لا تقوله. كنت أظن أن لنا معًا أيامًا كثيرة، وأن هناك أحاديث مؤجلة، ولحظات لم نعشها بعد، وأشياء كثيرة لم أقلها لك.
لكن بعض الحكايات تنتهي قبل أن نصل إلى فصلها الأخير، ويبقى أصحابها فينا، لا كما كانوا في الصور، بل كما كانوا في أرواحنا؛ في تفاصيلنا الصغيرة، وفي مواقف تستدعي ذكراهم، وفي ابتسامة تشبه ابتسامتهم، وفي لحظة شوقٍ مفاجئة تجعلنا نتمنى لو أن للغائبين بابًا يعودون منه ولو لدقيقة واحدة.
رحمك الله يا صالح، ورحم أبي، وجبر قلوبًا لم يكن ينقصها سوى أن يبقى أحبّتها قليلًا أطول.
ما زلت أفتقدكما، وما زلت أتعلم أن أعيش مع غيابكما، لكنني أحمل في قلبي يقينًا بأن ما جمعنا من محبة لن يمحوه الموت، وأن الدعاء سيظل طريقًا أمدّ به يدي إليكما كلما اشتقت.
رحل أبي، ثم رحل صالح… وبقي في قلبي شعور اليُتم، وبقيت الذكريات، وبقيت محبة لا تعرف الغياب.
رحم الله من رحلوا عن أعيننا، ولم يرحلوا يومًا عن قلوبنا.