كتب: محمد نديم الملاح
استهداف أمن المملكة العربية السعودية لم يعد مجرد تطور عابر في مشهد إقليمي مضطرب، بل أصبح قضية استراتيجية تتجاوز حدود المنطقة، لما ينطوي عليه من تداعيات خطيرة تمس سيادة الدول، وأمن الطاقة العالمي، وسلامة الممرات البحرية، واستقرار الاقتصاد الدولي.
فالمملكة العربية السعودية ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة للمساومة السياسية، بل دولة محورية وركيزة أساسية في منظومة الأمن الخليجي والعربي، وقوة مؤثرة في معادلات الاقتصاد العالمي وتوازنات الطاقة والتجارة الدولية.
ومن هنا، فإن المساس بأمنها لا يمكن اعتباره شأنًا داخليًا أو إقليميًا محدودًا، بل تهديدًا تتجاوز آثاره حدود الجغرافيا لتطال مصالح دول وشعوب عديدة حول العالم.
وتتجلى خطورة المشهد في السياسات التوسعية التي تنتهجها الدولة المارقة لفرض نفوذها الإقليمي عبر توظيف الميليشيات والجماعات المسلحة، وتحويلها إلى أدوات للصراع والضغط السياسي والعسكري. فالحروب بالوكالة ليست مجرد مواجهات تدور بعيدًا عن مراكز القرار، بل استراتيجية خطيرة تستنزف مقدرات الدول، وتعرّض المدنيين والمنشآت الحيوية للخطر، وتؤجج النزاعات، وتفتح الباب أمام تصعيد يصعب احتواء تداعياته.
إن الدولة التي تسلّح الميليشيات وتغذّي التطرف، ثم تقدم نفسها وسيطًا لحل النزاعات، تمارس ازدواجية سياسية واضحة وتقوّض مصداقية دورها المعلن.
وعندما تمتد التهديدات إلى المملكة العربية السعودية، أو تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية أو تطال الأماكن المقدسة، فإن خطورة الأمر تتضاعف، ليس فقط لما تمثله المملكة من ثقل سياسي واقتصادي، بل أيضًا لما تحمله من مكانة دينية راسخة في وجدان العرب والمسلمين، ولدورها المهم في استقرار المنطقة والعالم.
إن استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو توظيف الجماعات المسلحة للضغط على الدول وابتزازها، ليس دليل قوة، بقدر ما هو تعبير عن نهج يغامر بأمن المنطقة واستقرارها. فمثل هذه السياسات تشبه مقامرة من يهدد بإغراق السفينة التي يقف على متنها الجميع؛ إذ لا تتوقف تداعيات التصعيد عند الطرف المستهدف، بل تمتد إلى المحيط الإقليمي والدولي بأسره.
وتكتسب هذه المخاطر أبعادًا إضافية بالنظر إلى مكانة المملكة في أسواق النفط وإمدادات الطاقة العالمية، ودورها في حركة التجارة والاستثمار، وارتباطها بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. فأي تصعيد يستهدف منشآتها الحيوية أو يهدد الممرات البحرية وخطوط الإمداد قد ينعكس على استقرار الأسواق وأسعار الطاقة والنقل والتأمين، فضلًا عن سلاسل التوريد التي تعتمد عليها اقتصادات العالم.
ومن هنا، فإن أمن المملكة مصلحة مشتركة ترتبط باستقرار الأسواق العالمية وحرية الملاحة وسلامة التجارة الدولية. كما أن أمن الخليج العربي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأي محاولة لزعزعة استقراره قد تفتح الباب أمام تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية تتجاوز حدود دولة بعينها.
لقد دفعت شعوب المنطقة أثمانًا باهظة نتيجة صراعات النفوذ والحروب الممتدة، وأثبتت التجارب أن توسيع النفوذ على حساب استقرار الدول لا يصنع أمنًا دائمًا ولا يحقق تنمية حقيقية، بل يراكم الأزمات ويعمّق الانقسامات ويؤخر فرص النهوض والتعاون. فالشعوب التي تتطلع إلى التنمية والازدهار تحتاج إلى بيئة آمنة تحمي مقدراتها وتمنح أجيالها فرصة لبناء مستقبل أفضل.
ولا يمكن بناء استقرار مستدام في ظل استمرار الحروب بالوكالة، أو الحديث عن حسن الجوار مع دولة تتدخل في شؤون الدول الأخرى، وتستخدم الجماعات المسلحة أدوات لتصفية الحسابات وتوسيع دوائر النفوذ والابتزاز.
إن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي وسائر الدول العربية ليست ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين، ولا أوراقًا للمساومة في مشاريع الهيمنة الإقليمية. فأمنها وسيادتها حقان ثابتان، واستقرارها مصلحة مشتركة، وحماية مقدراتها الاقتصادية والاستراتيجية مسؤولية تتصل بأمن المنطقة والعالم.
إن الرهان على ميليشيات عابرة للحدود، واستحضار أوهام الإمبراطوريات الغابرة وأحقاد التاريخ، لن يصنع استقرارًا مستدامًا، بل سيعمّق الأزمات ويكشف عجز السياسات التي تراهن على الفوضى بدلًا من الاستقرار. فالدول تُقاس بقوة مؤسساتها، وقدرتها على حماية مصالحها وإنعاش اقتصاد مواطنيها، واحترامها سيادة الآخرين، لا بقدرتها على تحريك الميليشيات المسلحة وافتعال الأزمات.
إن دولنا العربية ليست ساحات للمساومة أو الابتزاز، ولا أوراقًا في حسابات النفوذ الإقليمي. فالقوة الحقيقية تكمن في صون السيادة واحترام الحدود والالتزام بالقانون الدولي، لا في التهديد واستخدام الميليشيات لزعزعة الاستقرار.
إن تداعيات التصعيد لا تقتصر على طرف دون آخر، بل تطال المنطقة والعالم بأسره؛ فنحن لسنا في سفينة «تايتنك» ننتظر الغرق، بل في عالم تتشابك فيه المصالح، ويظل أمن الشعوب واستقرار الدول مسؤولية مشتركة.