بقلم : محمد بن عائض الجعيد
للحياة حُرّاسٌ لا نعرف أسماءهم، ولا نرى وجوههم، ولكننا نعرف أثرهم كلما أشرقت شمس على وطنٍ آمن، ومضى الناس إلى أعمالهم، وعاد الأطفال من مدارسهم، وأغلقت الأمهات أبواب البيوت على سكينةٍ لا يعكّرها الخوف.
ولعل أعظم ما في الطمأنينة أننا نألفها حتى ننسى كم من الجهد يُبذل في سبيلها بتوفيق الله، وكم من العيون تسهر كي تنام عيونٌ أخرى، وكم من الرجال والنساء يقفون في مواجهة الأخطار حتى تبقى الحياة على صورتها التي نحب.
وفي مثل هذه الأيام حين تتزاحم أخبار الأزمات وتتعاظم التحديات، نرى بوضوح كيف تكون للدولة قدرةٌ لا تقتصر على ردع الخطر، بل تمتد إلى حماية الإنسان من آثاره، وصون حقه في أن يواصل حياته آمنًا مطمئنًا.
في ميدان الشرف، حيث تُحمى سماء الوطن وحدوده، يقف رجال قواتنا المسلحة يحملون أمانةً السماء والأرض بثقل السلاح، وهم لا يذودون عن الأرض بوصفها امتدادًا للجغرافيا فحسب، بل عن البيوت التي تسكنها، والأحلام التي تنمو فيها، والأجيال التي تستحق أن ترث وطنًا آمنًا.
وفي المدن والمرافق يمضي رجال الأمن بكافة قطاعاتهم إلى حيث تستدعيهم المسؤولية؛ يحفظون النظام، ويؤمّنون المواقع، ويواجهون الأخطار، ويباشرون الحوادث.
ولعل أبلغ صور الشجاعة أن يتقدم الإنسان نحو ما يفرّ منه الآخرون، لا بحثًا عن بطولةٍ تُروى، وإنما وفاءً بواجبٍ آمن به.
وفي المستشفيات ومراكز الإسعاف، تُكتب فصولٌ أخرى من التضحية؛ حيث يقف الأطباء والطواقم الطبية والمسعفون على ثغور الحياة، ينازعون الألم، ويسابقون الوقت، ويتمسكون بأمل النجاة حتى اللحظة الأخيرة. هناك لا يُقاس الإنجاز بما يُعلن، بل بروحٍ أُنقذت، وأسرةٍ عاد إليها الفرح بعد خوف.
وليس بين هذه المشاهد من اختلاف إلا في صورة الواجب؛ فالجندي الذي يحمي السماء، ورجل الأمن الذي يصون الأرض، والطبيب الذي يحفظ الروح، يجتمعون جميعًا عند غايةٍ واحدة أن يبقى الإنسان آمنًا، وأن تظل الحياة ممكنة مهما اشتدت الظروف.
غير أن وراء هذه البطولات معنى أعظم؛ دولة جعلت من حماية الإنسان مسؤولية تتكامل من أجلها مؤسساتها، ومن استمرار الحياة غايةً لا تقل شأنًا عن مواجهة الأخطار.
فما نراه من جاهزيةٍ عسكرية وأمنية وصحية، وما نشهده من انتظامٍ في الخدمات واستمرارٍ في الأعمال، ليس وليد لحظةٍ طارئة، بل ثمرة رؤيةٍ حكومية واعية، واستعدادٍ يسبق الأزمات، وتخطيط يجعل لكل جهة دورها، ولكل احتمال ما يستحقه من يقظة وتدبير.
وهنا تتجلى عظمة الدولة؛ لا في قدرتها على مواجهة التهديد وحده، بل في قدرتها على ألّا تسمح له بأن يختطف حياة الناس، أو يعطّل مسيرة وطن يمضي إلى مستقبله.
فكم من خطرٍ دُفع قبل أن نعلم به، وكم من حادث احتُوي قبل أن يتسع، وكم من جهد عظيم كانت أجمل نتائجه أن يمر يومنا هادئًا كما اعتدناه.
إن الأمن الذي نعيشه ـ ونحمد الله عليه ـ ليس حدثًا عابرًا، ولا نعمةً تُصان بالتمنيات، وإنما مسؤوليةٌ تتجدد كل يوم، تحملها قيادةٌ جعلت سلامة الإنسان واستقرار الوطن في مقدمة أولوياتها، وتنهض بها مؤسسات ورجال ونساء يدركون أن وراء كل مهمة يؤدونها حياة تستحق الحماية.
ولعل من تمام الوفاء لهؤلاء أن ندرك أن البطولة لا تكون دائمًا في المشاهد التي تستوقف الأنظار؛ فقد تكون في يقظةٍ منعت خطرًا، أو قرارٍ جنّب الناس أذى، أو يدٍ امتدت في الوقت المناسب لتنقذ روحًا.
فليس كل انتصارٍ يُرى، ولا كل تضحيةٍ تُروى، ولا كل من صنع الطمأنينة نال نصيبه من الثناء.
لَرُبَّما…
حين نتأمل ما يمر به وطننا من تحديات، فإن أعظم ما يستحق الاعتزاز ليس ما نملكه من أسباب القوة وحدها، بل ما تصنعه تلك القوة من أمنٍ للإنسان، وما تمنحه من ثقةٍ في الغد.
تحيةٌ للمرابطين على الثغور، وللساهرين على أمن المدن، وللواقفين عند أسرّة المرضى، ولكل من يؤدي واجبه في صمتٍ كي تبقى الحياة آمنةً كريمة.
تحية بحجم الوطن العظيم لأولئك الذين لا نراهم جميعًا، ولكننا نراهم في كل صباحٍ آمن… أولئك الذين يحرسون الحياة.