الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ اكتوبر-٢٠٢٦       16500

بقلم -معاذ الحجازي

ليس كل من يتحدث كثيرا يقول كثيرا وليس كل من يطيل الحديث يملك ما يستحق كل ذلك الوقت ، فثمة فرق شاسع بين حديث يضيف إلى عقولنا شيئا وحديث يستهلك من أعمارنا أشياء لا تعود.
في زحام الحياة حيث تتراكم المسؤوليات وتتسابق الالتزامات ويحاول كل إنسان أن يقتنص من يومه فسحة ينجز فيها ما تأخر يأتيك من لا يدرك أن وقتك ليس مساحة مفتوحة لحديثه ولا أن انشغالك الحقيقي لا يحتاج إلى محاضرة طويلة كي يصدقه ، يبدأ الكلام بسؤال عابر ثم يتشعب إلى حكايات وتتناسل منه تفاصيل وتُفتح أبواب لموضوعات لم تكن في الحسبان حتى تجد نفسك بعد دقائق طويلة في رحلة كلامية لم تخترها ولم تكن بحاجة إليها لكنك تخوضها بدافع الذوق أو الحرج أو المجاملة بينما قائمة أعمالك تنتظر والتزاماتك تتراكم وساعات يومك تتسرب في صمت والمؤلم أن بعض الناس لا يرون في ذلك مشكلة فهم يظنون أن كثرة الشرح دليل اهتمام وأن إعادة الكلام دليل حرص وأن الإطالة ضرورة حتى يفهم الآخر وكأن المستمع لا يفهم إلا بعد أن تُروى له القصة من أولها إلى آخره، وتُشرح له تفاصيلها وتُعاد عليه الفكرة بأكثر من صيغة !!
وهنا يحق لنا أن نسأل : إذا كان المعنى قد وصل فلماذا نواصل ؟ وإذا كانت الفكرة قد اتضحت فما الحاجة إلى كل هذه الفروع ؟ وإذا كان المقصود قد فُهم فلماذا نُصرّ على استنزاف الوقت في تكرار ما قيل ؟
إن الاختصار ليس عجزاً عن التعبير ولا ضعفاً في البيان ولا دليلاً على قلة الاهتمام ، بل قد يكون علامة على نضج الإنسان واحترامه لعقل مخاطبه وإدراكه أن لكل دقيقة قيمة وأن الناس ليسوا متفرغين جميعاً للحديث بالقدر نفسه فمن أرقى صور الاحترام أن تقول ما تحتاج إليه لا أن تقول كل ما تستطيع قوله .
ولست هنا أدعو إلى الجفاء أو إلى أن تتحول علاقاتنا إلى كلمات مقتضبة تخلو من الأنس والمودة ، فهناك أحاديث تُنعش الروح ومجالس تُنسي الإنسان متاعبه وأشخاص يمر الوقت معهم دون أن نشعر به لأن حديثهم يحمل معنى وقربهم يمنحنا راحة والاستماع إليهم رغبة لا واجبا لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الحديث إلى استحواذ والمجاملة إلى التزام والاستماع إلى عبء وحين يعتقد أحدنا أن رغبته في الكلام تمنحه الحق في الاستحواذ على وقت غيره دون أن يسأل نفسه : هل لدى هذا الإنسان متسع؟ هل يحتاج إلى الانصراف؟ هل أطلت عليه؟ وهل ما أقوله الآن يضيف شيئا أم أنني أكرر نفسي فحسب؟
إن احترام الوقت لا يقتصر على مواعيد العمل والاجتماعات ولا على الحضور والانصراف بل يبدأ من أبسط تفاصيل تعاملنا اليومي ، في مكالمة هاتفية كان يمكن أن تنتهي في دقيقتين وفي زيارة امتد حديثها بلا ضرورة وفي سؤال بسيط تحول إلى سرد طويل وفي رسالة أُغرقت بتفاصيل كان يمكن اختصارها في سطرين .
ولعل أكثر ما يستحق التأمل أن الإنسان قد يتحرج من إنهاء الحديث لا لأن لديه وقتاً فائضا بل لأنه لا يريد إحراج المتحدث أو جرح مشاعره فيظل مستمعاً ويبتسم ويوافق بينما ذهنه مشغول بما ينتظره من أعمال ثم ينصرف مثقلاً بضيق لا يعرف كيف يعبر عنه ويعود الطرف الآخر معتقداً أن حديثه كان ممتعا وأن جلسته كانت موفقة !
كم من شخص أرهقته المجاملات أكثر مما أرهقته الأعمال؟ وكم من دقيقة ضاعت لأننا لم نتعلم كيف ننهي الحديث بلطف؟ وكم من علاقة أصابها الفتور لا بسبب خلاف كبير بل بسبب استنزاف متكرر للطاقة والوقت حتى أصبح اللقاء الذي كان مصدر راحة مصدرا للتعب؟
إننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في مفهوم اللباقة ، فاللباقة ليست أن تتحدث كثيرا بل أن تعرف متى تتحدث وماذا تقول ومتى تترك للآخر مساحة يتنفس فيها وليست حسن المعاملة أن تفرض حضورك أطول وقت ممكن بل أن تجعل حضورك خفيفاً على النفس حسن الأثر جميل الذكر ولعل أجمل ما يمكن أن نهديه إلى الآخرين ليس دائماً المال أو الخدمة أو الكلمات الطيبة فقد تكون هدية بسيطة لا ننتبه إلى قيمتها : أن نحترم وقتهم ونختصر عليهم الطريق ونفهم إشارات انشغالهم ونمنحهم حق إنهاء الحديث دون أن نحمّلهم شعوراً بالذنب .
وقبل أن نلوم كثيري الكلام فلنبدأ بأنفسنا لنسأل أنفسنا قبل كل حديث : هل لدي ما يستحق أن أقوله؟ هل أضيف معلومة جديدة؟ هل يحتاج الطرف الآخر إلى كل هذه التفاصيل؟ وهل سأرضى أن يعاملني أحدهم بالطريقة نفسها فيستنزف وقتي بينما ينتظرني ما هو أهم؟
لسنا مطالبين بأن نصمت وإنما أن نحسن الكلام ولسنا مطالبين بأن نختصر المودة وإنما أن نختصر ما لا ضرورة له ، فالحياة أقصر من أن نقضي جزءا منها في تكرار المعاني وأثمن من أن نستهلك أعمار بعضنا في أحاديث كان يمكن أن تكون أقصر وأجمل وأكثر فائدة .
تذكّروا أن الكلمات تنتهي والمجالس تنفضّ لكن الدقائق التي أخذناها من أعمار الآخرين لن تعود فليكن حديثنا جسرا يصل بين القلوب لا طريقًا طويلًا يرهق العابرين وليكن حضورنا إضافة إلى حياة من نلقاهم  لا عبئاً جديدًا على أيامهم المزدحمة فخير الكلام ليس ما طال حتى استنفد الوقت بل ما بلغ المعنى وأحسن الأثر وترك للآخرين فسحةً ليعيشوا حياتهم فبعض الاحترام كلمة وبعض الذوق اختصار وبعض المحبة أن تدرك متى تنهي الحديث .