بقلم - عبدالله بن مطر العنزي
ثمة دولٌ يكفي أن تنظر إلى ما حولها لتعرف حجم ما تواجهه، وثمة دولٌ تُختبر في قدرتها على أن تبقى كما عرفها العالم، ثابتة الموقف، واضحة الوجهة، لا تستدرجها الاستفزازات إلى ما لا تريد، ولا تصرفها التهديدات عن مسؤولياتها الكبرى. والمملكة العربية السعودية، وهي تواجه الاعتداءات التي تطال أمنها ومقدراتها، تقف أمام اختبارٍ يتجاوز صدّ الخطر إلى حماية مسيرة وطنٍ اختار البناء طريقًا، والاستقرار نهجًا، وصون الكرامة مبدأً لا يتبدل.
إن أخطر ما في الاعتداءات التي تتخذ من جماعة الحوثي واجهةً لها، وما يحيط بها من امتدادات إقليمية ودعم خارجي، أنها تحاول فرض معادلةٍ يكون فيها أمن المملكة موضع ابتزاز، واستقرارها ورقةً في صراعات الآخرين. وما يُثار بشأن الدور الإيراني في دعم الجماعة يضع هذه المواجهة في سياقها الإقليمي الأوسع، حيث تتشابك الحسابات، وتُستخدم ساحات الصراع لخدمة مشاريع تتجاوز حدودها. غير أن أمن السعودية وسيادتها ليسا مجالًا للمساومة، ولا ينبغي أن يكونا ثمنًا لتفاهمات الآخرين أو حساباتهم.
ولعل ما لا يدركه أصحاب الرهانات الخاطئة أن المملكة لا تستمد وزنها من ظرفٍ سياسي عابر، ولا من مرحلةٍ اقتصادية مزدهرة فحسب؛ إنما تستمده من جذورٍ ضاربة في التاريخ، ومن دولةٍ راكمت خبرتها ومؤسساتها، ومن شعب يعرف أن الأوطان لا تُختبر في أوقات الرخاء وحدها، بل حين تتطلب المواقف وضوحًا، ويصبح التماسك ضرورة لا خيارًا.
وليس الصمود أن ترتفع الأصوات كلما ارتفع التهديد، بل أن يبقى الوطن قادرًا على مواصلة حياته، وأن تمضي مؤسساته في أداء واجباتها، وأن يطمئن الناس إلى أن أمنهم مصان، وأن مستقبل أبنائهم لا ترسمه صواريخ المعتدين. تلك هي القوة التي يصعب قياسها في ضجيج المواجهات؛ قوة الدولة التي لا تسمح للخطر بأن ينتزع منها حقها في الحياة والعمل والتقدم.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الوعي الوطني مسؤولية لا تقل أهمية عن أي استعداد آخر. فالكلمة التي تثير الفتنة تخدم من يريد إضعافنا، والشائعة التي تُنشر بلا تثبت تمنح الخصم ما عجز عن تحقيقه بوسائله الأخرى. أما المواطن الواعي، فيعرف أن حب الوطن ليس اندفاعًا عابرًا، بل موقفٌ راسخ، وأن الاختلاف لا يبرر التفريط في الثوابت التي تجمعنا.
إن المملكة لا تحتاج إلى أن تثبت مكانتها لمن يعرف تاريخها، ولا إلى أن ترد على كل تهديدٍ بخطابٍ صاخب؛ فالمواقف الرصينة أبلغ من الضجيج، والحقائق أبقى من الدعاية. لكنها، في الوقت نفسه، تملك كامل الحق في حماية أرضها وشعبها ومصالحها، وردع كل اعتداءٍ يستهدفها، بما يحفظ سيادتها ويصون أمنها.
ستبقى السعودية أكبر من أن تختصرها لحظة تهديد، وأعمق من أن تنال منها حملات عابرة. فهذه البلاد التي عرفت كيف تبني لنفسها مكانًا بين الأمم، تعرف كذلك كيف تحمي مكانتها، وكيف تواصل طريقها دون أن تمنح خصومها فرصة تحديد وجهتها. وحين يراهن الآخرون على إرباكها، فإن أبلغ جوابٍ تقدمه هو أن تظل واقفةً على أرضها، ماضيةً في مشروعها، واثقةً بأبنائها، لا تحيد عن مصالحها، ولا تتخلى عن حقها في أمنٍ يليق بوطنٍ بهذه المكانة والتاريخ.