الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ اكتوبر-٢٠٢٦       2420

بقلم :المستشار المحامي سعود عقل

لم تعد الكلمة في العصر الرقمي مجرد وسيلة للتعبير ولم يعد الخبر مجرد رواية تنتقل من مصدر إلى متلق بل أصبحت المعلومة قوة قادرة على صناعة الرأي العام وتوجيه السلوك الجماعي والتأثير في سمعة الأفراد ومصالح المؤسسات وإثارة الخوف والانقسام داخل المجتمعات ففي عالم تقاس فيه سرعة النشر بالثواني قد تحتاج الحقيقة إلى أيام لتثبت حضورها بينما تكفي إشاعة واحدة لتترك أثرا يصعب محوه.

إن خطورة الأخبار المضللة لا تكمن في تقديم معلومات غير صحيحة فحسب بل في قدرتها على إنشاء واقع زائف يتعامل معه الناس بوصفه حقيقة فقد يدان شخص في الوعي العام قبل أن يحاكم وتدمر سمعة مؤسسة قبل التحقق من الوقائع وتزرع الشكوك بين أفراد المجتمع قبل أن تتاح لهم فرصة التمييز بين الخبر والادعاء.

من هنا تبرز المسؤولية القانونية عن الأخبار المضللة باعتبارها قضية تتجاوز تنظيم النشر إلى حماية الحقوق والحريات وصون الثقة العامة وتحقيق التوازن بين حرية التعبير وحق المجتمع في ألا يستدرج إلى تصديق الأكاذيب أو دفع أثمانها فالسؤال لم يعد من نشر الخبر فحسب بل ما طبيعة المعلومة المنشورة وما مدى التحقق منها وما الضرر الذي أحدثته وما دور الناشر في وقوعه.

وليس كل خبر غير صحيح خبرا مضللا بالمعنى القانوني كما أن كل معلومة يتبين خطؤها لا تدل بالضرورة على سوء نية ناشرها فقد يقع الخطأ بحسن نية رغم بذل الجهد للتحقق لكن التضليل قد يتخذ أشكالا أكثر تعقيدا من اختلاق الوقائع إلى اجتزاء التصريحات وإخفاء السياقات ونشر صور قديمة على أنها حديثة أو تكرار ادعاءات غير مثبتة حتى تبدو حقائق راسخة.

وعليه ينبغي التمييز بين الخطأ غير المقصود والرأي والنقد المشروع والتضليل المتعمد والافتراء لأن العدالة لا تقوم على معاقبة كل من أخطأ بل على تحديد الفعل المخالف وإثبات عناصر المسؤولية وتطبيق الجزاء الذي يجيزه القانون.

وتزداد المسألة تعقيدا حين ينتقل الخبر المضلل بين الحسابات الشخصية والصفحات المجهولة والمنصات الرقمية فالمسؤولية قد تتعلق بمصدر الخبر الأصلي أو الناشر أو من يعيد تداوله أو بالمنصة وفق طبيعة دورها والتزاماتها القانونية ومدى توافر شروط المساءلة ولا تعني المشاركة في الانتشار ثبوت المسؤولية تلقائيا كما لا يجوز افتراض مسؤولية المنصات عن كل ما ينشره المستخدمون دون بحث النصوص القانونية والظروف الخاصة بكل حالة.

إن العدالة الرقمية لا تتحقق بالبحث عن متهم واحد في سلسلة طويلة من التفاعلات بل بتحديد مسؤولية كل طرف على نحو دقيق ومنع الإفلات من المحاسبة دون تحميل الأبرياء أوزار غيرهم.

وفي المقابل لا يجوز أن تتحول مكافحة الأخبار المضللة إلى ذريعة لإسكات الآراء المخالفة أو تقييد حرية الصحافة فحرية التعبير حق أساسي والصحافة الحرة ضرورة للمساءلة والشفافية وقد تكون المعلومات محرجة للسلطات والمؤسسات لكنها صحيحة وذات مصلحة عامة ولذلك فإن التحدي القانوني يتمثل في التمييز بين النقد المشروع والفعل الذي يستوجب المساءلة مع احترام شرعية التجريم ووضوح النصوص والتناسب بين الفعل والجزاء وضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.

فإذا كان القانون يحمي الأفراد من الاعتداء على حقوقهم فعليه أيضا أن يحمي المجتمع من استخدام مكافحة التضليل وسيلة لتقييد النقاش العام فالمواجهة العادلة هي التي تحمي الحقيقة دون أن تصادر حرية البحث عنها.

أما التداعيات المجتمعية للأخبار المضللة فتتجاوز الضرر المباشر إلى آثار نفسية واقتصادية ومؤسسية فقد يتعرض إنسان للتشهير بما يحرمه من فرص العمل ويدمر علاقاته الاجتماعية وقد تتسبب إشاعة غير موثقة في خسائر مالية لمؤسسة أو اضطراب ثقة المستهلكين كما يمكن للتضليل أن يغذي الخوف والعداء ويحول الاختلاف في الرأي إلى صراع بين جماعات تتمسك بروايات متعارضة وكأنها حقائق مطلقة

 

والأخطر من ذلك أن تكرار الأخبار الكاذبة قد يضعف ثقة الناس بوسائل الإعلام والمؤسسات العامة والقضائية ويولد حالة من الإنهاك المعرفي يفقد فيها المتلقي قدرته على التمييز بين الخبر الموثق والادعاء المجهول وبين الدليل والانطباع وهكذا لا يعود التضليل خللا في تداول المعلومات فحسب بل يصبح تهديدا لقدرة المجتمع على بناء حوار قائم على وقائع مشتركة.

وقد أسهمت البيئة الرقمية في تعقيد هذه الظاهرة إذ تحظى الأخبار المثيرة للغضب والخوف باهتمام واسع وتنتشر أحيانا قبل التحقق منها وهنا تبرز أسئلة المسؤولية عن دور الخوارزميات في تضخيم المحتوى ومدى التزامات المنصات بالشفافية وإدارة المخاطر والتصحيح غير أن التضخيم التقني وحده لا يثبت المسؤولية القانونية في كل حالة بل يستلزم النظر في دور كل طرف ومدى مساهمته في الضرر وفقا للقانون المنطبق.

ولا يكفي العقاب وحده لاستعادة الحقيقة فقد يصدر حكم قضائي يثبت بطلان ادعاء بينما يظل أثر الاتهام حاضرا في أذهان الناس وقد يحذف المنشور دون أن تختفي نسخه لذلك تقتضي المواجهة منظومة متكاملة تجمع بين المساءلة القانونية المتناسبة والتصحيح الواضح وجبر الضرر والتحقق المهني من المعلومات وتعزيز التربية الإعلامية والشفافية في إدارة المنصات الرقمية.

وفي لبنان تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل التداخل بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية وسرعة تداول المعلومات وتستلزم معالجة كل واقعة الرجوع إلى النصوص اللبنانية النافذة وتحديد طبيعة الفعل والحق المعتدى عليه والأدلة المتاحة وشروط المسؤولية فقد تتصل الواقعة بالقدح أو الذم أو التشهير أو الاحتيال أو انتهاك الخصوصية أو غير ذلك من الأفعال التي يحدد القانون أحكامها ولا يصح اعتبار كل خبر غير دقيق جريمة تلقائيا أو افتراض أن وصف منشور بأنه مضلل يكفي وحده لقيام المسؤولية.

 

إن التحدي في السياق اللبناني لا يكمن في تكثيف الملاحقات بقدر ما يكمن في بناء استجابة قانونية دقيقة تحمي المتضرر وتضمن حقه في اللجوء إلى القضاء دون أن تتحول الإجراءات القانونية إلى وسيلة للضغط على الصحافة أو معاقبة النقد المشروع.

لقد أتاح الفضاء الرقمي لكل فرد منبرا يصل من خلاله إلى جمهور واسع لكن سهولة النشر لا تلغي واجب التثبت ولا تعفي من مراعاة حقوق الآخرين فمشاركة خبر غير موثق قد تسهم في تثبيت اتهام باطل أو توسيع دائرة الذعر أو الإضرار بإنسان لم تتح له فرصة الرد ومن هنا يصبح التحقق من الأخبار سلوكا مدنيا مسؤولا ويغدو تصحيح الخطأ علنا دليلا على النضج والمسؤولية.

إن مواجهة الأخبار المضللة لا تختبر قدرة القانون على العقاب فحسب بل تختبر قدرته على حماية الحقوق دون التضحية بالحريات كما تختبر مسؤولية الإعلام ووعي الجمهور وقدرته على التمييز بين ما يثير المشاعر وما تثبته الوقائع.

فليست خطورة الخبر المضلل في أنه يقول ما لم يحدث فحسب بل في أنه قد يدفع الناس إلى التصرف على أساس أن ما لم يحدث قد حدث فعلا.

 

وعندما تتحول المعلومة الزائفة إلى سبب للظلم أو الخوف أو الإضرار بالحقوق تصبح المساءلة ضرورة لحماية المجتمع لكن عندما تتحول المساءلة نفسها إلى أداة لإسكات الحقيقة تصبح العدالة مطالبة بحماية حرية التعبير من جديد.

فالحقيقة لا تحتاج إلى قانون يعاقب الكذب وحده بل إلى عدالة تميز بين الخطأ والجريمة وتحمي الإنسان من التضليل والتعسف معا.