الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ اكتوبر-٢٠٢٦       6655

بقلم ـ عيسى المزمومي

ليست كل الدروس تُتلقّى على مقاعد الدراسة، ولا كل الحكمة تُحفظ بين دفّتي كتاب. فثمة معلّمون لم تطأ أقدامهم الجامعات، ولم يحملوا شهادات تُعلّق على الجدران، لكنهم تركوا في النفوس من الأثر ما عجزت عنه المناهج؛ لأن الحياة كانت مدرستهم، والأيام صفحاتهم، والتجارب أقلامهم التي كتبت على القلوب قبل أن تُكتب على الورق! 
ومع تقدّم العمر، ازددت يقينًا بأن أثمن ما تعلّمته لم يكن في الفصول الدراسية، ولا بين أسطر الكتب، بل في الأزقة القديمة، وبين وجوه البسطاء الذين عاشوا الحياة كما هي، لا كما تصفها النظريات. هناك أدركت أن الحكمة قد تسكن قلب امرأة أمية، وأن الفضيلة قد تنبت في بيت متواضع أكثر مما تنبت في القصور.
ومن بين أولئك الذين تركوا في نفسي أثرًا لا يمحوه الزمن، امرأة اسمها مزنة. كانت تقيم في أحد أحياء البوادي بمدينة جدة، في زمن كانت فيه البيوت متواضعة في بنائها، عظيمة في دفئها، وكانت الجدران المتقاربة تجمع القلوب قبل أن تجمع الحجارة. لم تكن الأبواب تُغلق في وجه جار، ولم تكن الأزقة تعرف الغربة، وكان الأطفال يكبرون وهم يحفظون أسماء سكان الحي كما يحفظون أسماء إخوتهم.
في ذلك المكان عاشت مزنة، امرأة تجاوزت الستين من عمرها، لكنها كانت تحمل قلبًا أكثر شبابًا من كثيرين يصغرونها بسنوات. لم تكن فاتنة الجمال بالمقاييس التي يتغنى بها الناس، غير أن في وجهها نورًا تصنعه الطمأنينة، وفي عينيها سكينة لا يهبها إلا الرضا. فإذا ابتسمت، خُيّل إليك أن التعب نفسه قد ابتسم، وإذا تحدثت، أنصت الجميع؛ لأن كلماتها لم تكن تخرج من لسانها فحسب، بل من عمر طويل صقلته التجارب، وهذّبته الأيام.
كانت تبدأ نهارها قبل أن يستيقظ الحي. تفتح نافذة منزلها الخشبية العتيقة، فتنساب رائحة القهوة الممزوجة بالهيل في الأزقة الضيقة، وكأنها رسالة صباحية تبشّر بأن الخير ما زال يسكن هذا المكان. ثم تعجن خبزها بيدين أنهكهما العمل، لكنهما لم تعرفا الكسل، وتردّد أذكار الصباح بصوت خافت، يمتزج بزقزقة العصافير ونداءات الباعة المتجولين، فيرسم لوحة لا تزال تفاصيلها عالقة في ذاكرتي! 
وُلدت مزنة في بيت فقير، لم يعرف الترف يومًا، لكنه عرف القناعة والمحبة. كان أهلها يملكون القليل من المال، غير أنهم امتلكوا من غنى النفوس ما عجزت عنه الثروات. ومنذ طفولتها، تعلّمت أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنح، وأن اليد التي تمتد بالعطاء أغنى من اليد الممتلئة بالذهب.
وحين بلغت السادسة عشرة من عمرها، تزوجت من رجل بسيط يعمل سائقًا لشاحنة صغيرة، يقضي نهاره متنقلًا بين الطرقات طلبًا لرزق حلال. لم يكن صاحب مال ولا جاه، لكنه كان كريم الخلق، صادق الوعد، نقي السريرة. وكانت مزنة ترى أن هذه الصفات أثمن من كل ثروة، وأن الرجل يُوزن بأخلاقه قبل أن يُوزن بما في جيبه.
عاش الزوجان حياة متواضعة، لكنها كانت عامرة بالمودة والسكينة. لم يكن في منزلهما أثاث فاخر، ولا أوانٍ ثمينة، غير أن الضحكة كانت حاضرة، والرضا يسكن القلوب. وكانا يؤمنان بأن سعة البيوت لا تُقاس بمساحتها، بل بما يملؤها من رحمة، وأن الغنى الحقيقي هو أن ينام الإنسان قرير العين، مطمئن القلب.
ثم رزقهما الله أربعة أبناء، فأصبح كل واحد منهم قطعة من روحها، وأملًا تعيش من أجله. كانت ترى فيهم امتداد عمرها، وتعلّق عليهم أحلامًا لم تطمح إليها لنفسها، مؤمنة بأن أعظم ميراث يتركه الآباء لأبنائهم ليس كثرة المال، بل حسن التربية، واستقامة الخلق، وصدق الإيمان.
غير أن الحياة لا تسير دائمًا على ما تشتهيه النفوس. فقد داهم المرض زوجها، وأقعده عن العمل، فتبدّلت الأحوال في زمن قصير. أصبح الرجل الذي كان يخرج كل صباح يسعى وراء رزقه حبيس فراشه، وأصبحت الأسرة كلها تنظر إلى مزنة بوصفها السند الذي لا يجوز له أن يتداعى.
وقفت يومها أمام ابتلاء لم تختره، لكنها قبلته بقلب المؤمن. لم تُكثر من الشكوى، ولم ترفع صوتها بالأنين، بل نظرت إلى أبنائها، ثم إلى زوجها المريض، وأدركت أن البكاء لن يغيّر قدرًا، وأن الحزن وحده لا يصنع غدًا أفضل.
وهناك بدأت الحكاية الحقيقية... حكاية امرأة لم تدرس في جامعة، لكنها أصبحت جامعة في الصبر، ولم تكتب كتابًا، لكنها تركت في نفوس من عرفها صفحات من الحكمة لا تمحوها السنون. ومنذ تلك اللحظة، بدأت أتلقى منها دروسًا لم أجدها في أي منهج دراسي، وظلت راسخة في ذاكرتي؛ كلما مضت الأعوام، ازداد بريقها، واتسع معناها! 
منذ أن أقعد المرض زوجها، لم تعد مزنة تنظر إلى الأيام على أنها تعاقب للشروق والغروب، بل صارت تراها سلسلة من المسؤوليات التي لا تعرف الانقطاع. أدركت أن الدموع لا تغيّر الأقدار، وأن الحسرة لا تُطعم جائعًا، ولا تُداوي مريضًا، فآثرت أن تواجه الحياة بقلب ثابت، وأن تجعل من الصبر رفيقها في كل صباح.
كانت تستيقظ قبل أذان الفجر بوقت يسير، فتوقظ البيت بالحركة قبل أن توقظه الأصوات. تعجن الخبز، وتعد القهوة، وتوقظ أبناءها برفق، ثم تهيئ لهم ما تيسّر من الطعام قبل أن يغادروا إلى مدارسهم. وما إن يُغلق الباب خلفهم، حتى تبدأ رحلة عملها الشاقة، متنقلة بين أعمال متواضعة، لا يلتفت إليها الناس، لكنها كانت تراها طريقًا شريفًا يحفظ كرامة أسرتها، ويغنيها عن مدّ اليد إلى أحد.
وحين يحل المساء، تعود مثقلة بالتعب، لكنها كانت تترك إرهاقها عند عتبة الباب، وتدخل بيتها بوجه بشوش، كأنها تخشى أن يرى أبناؤها في ملامحها ما يزيدهم همًّا. ثم تجلس إلى زوجها المريض، تخفف عنه ألم المرض، وتحدثه عن تفاصيل يومها، وعن أخبار الأبناء والجيران، وكأنها تريد أن تمنحه شيئًا من الحياة التي أبعده عنها المرض.
ولم تكن تعتبر ما تقوم به بطولة تستحق الثناء، ولا تضحية تستوجب الشفقة، بل كانت ترى أن أداء الواجب شرف لا يُمنّ به على أحد. وكانت تردد دائمًا أن الإنسان لا يُعرف في أوقات الرخاء، وإنما يُعرف حين تضيق به السبل، فيثبت ولا يتبدل.
ومرت الأعوام، وكبر الأبناء أمام عينيها، وكان كل نجاح يحققونه يمحو عن قلبها شيئًا من عناء السنين. كانت تفرح بتفوقهم أكثر من فرحها بأي مكسب شخصي، وتردد أن العلم إذا اقترن بالأخلاق رفع صاحبه، أما إذا خلا من القيم، فإنه لا يعدو أن يكون زينة يخدع بها الناس أنفسهم! 
ومع مرور الزمن، أصبحت مزنة وجهًا مألوفًا في الحي، واسمًا يبعث الطمأنينة في نفوس جيرانها. فما كاد يقع خلاف بين اثنين، إلا كانت أول من يسعى للإصلاح. وإذا مرض أحد، كانت أول الزائرين. وإذا حلّت مناسبة فرح، حضرت بابتسامتها الصادقة قبل أن تحمل هديتها. لم تكن تملك مالًا كثيرًا، لكنها كانت تملك قلبًا يتسع للجميع، ولسانًا لا يعرف إلا الكلمة الطيبة.
وكان أهل الحي يقولون عنها:
«إذا ضاقت بك الدنيا، فاذهب إلى مزنة؛ فإنها لا تملك حلًّا لكل مشكلة، لكنها تملك قلبًا يجعل المصيبة أخف وطأة.»
ولعل أكثر ما كان يميزها أنها لم تكن تلقي المواعظ، بل كانت تعيشها. فقد كانت ترى أن الأخلاق إذا بقيت حبيسة الكلام فقدت أثرها، أما إذا تحولت إلى سلوك، أصبحت أبلغ من آلاف الخطب.
وأذكر أنني جلست معها ذات مساء في مجلسها الصغير، وكانت رائحة القهوة العربية تعبق في المكان، بينما يتسلل ضوء مصباح قديم إلى الجدران التي حملت آثار السنين. سألتها سؤالًا ظل يرافقني طويلًا:
«يا خالة مزنة... من أين جئتِ بكل هذا الصبر؟»
ابتسمت ابتسامة هادئة، ثم نظرت إلى البعيد، كأنها تستعرض سنوات عمرها واحدة تلو الأخرى، وقالت:
«يا بُني، الناس يظنون أن القوة ألا يتألم الإنسان، وهذا غير صحيح. القوة الحقيقية أن يتألم ولا يؤذي، وأن يبكي ولا ييأس، وأن يخسر ولا يخسر نفسه. الحياة لا تعطي أحدًا كل شيء، لكنها تمنح كل إنسان فرصة ليختار أي إنسان يريد أن يكون.»
ثم سكتت لحظة، وأردفت بصوت يملؤه الرضا:
«تعلمت أن القلب إذا امتلأ بالحقد ضاقت به الدنيا، وإذا امتلأ بالعفو اتسعت له الحياة، وأن الرحمة لا تُنقص من هيبة الإنسان، بل تزيده رفعة عند الله، ومحبة في قلوب الناس.»
لم تكن كلماتها مزخرفة ولا متكلفة، وإنما كانت خلاصة عمر طويل، صاغته المحن أكثر مما صاغته الأيام. ولعل هذا ما جعل حديثها يبقى في ذاكرتي، بينما نسيت كثيرًا من الدروس التي حفظناها في المدرسة، ثم انتهى أثرها بانتهاء الاختبار.
وكان في بيت مزنة صندوق خشبي صغير، تحتفظ فيه بأشياء قد تبدو للناس عادية، لكنها عندها كانت تساوي عمرًا بأكمله: خاتم زواجها، ومسبحة والدتها، وصورة قديمة تجمعها بزوجها في سنوات الشباب، ورسائل كتبها أبناؤها بخطوط طفولية مرتجفة. وكانت تقول:
«إذا فقد الإنسان ذاكرته، فقد نصف حياته.»
ولهذا كانت تتعامل مع تلك المقتنيات كما يتعامل المرء مع كنوزه الثمينة؛ لأنها لم تكن تحفظ أشياء، بل كانت تحفظ أيامًا لن تعود.
وعلى الرغم من ضيق حالها، لم يكن بابها يُغلق في وجه محتاج، ولم يكن في قلبها مكان للبخل. كانت تقسم رغيفها مع جيرانها، وتؤثر غيرها بما تستطيع، مؤمنة بأن ما يبقى للإنسان بعد رحيله ليس ما جمعه من مال، بل ما زرعه من خير في قلوب الناس.
غير أن الأيام كانت تخبئ لذلك الحي الهادئ امتحانًا لم يخطر ببال أحد؛ امتحانًا لم يكن في الفقر، ولا في المرض، بل في وداع المكان نفسه، حين يصبح الإنسان مطالبًا بأن يترك عمرًا كاملًا خلفه، ويمضي إلى مستقبل لا يعرفه، تاركًا ذاكرته معلقة على جدران بيت لن يبقى طويلًا!
لم يكن الخبر الذي بدأ يتردد بين سكان الحي في أول الأمر أكثر من همس يتناقله الناس على استحياء. ظنه بعضهم شائعة عابرة، كما اعتادوا سماع الشائعات التي تولد سريعًا ثم تموت سريعًا. غير أن الأيام مضت، وكشفت أن الأمر هذه المرة لم يكن حديث مجالس، بل حقيقة لا مفر منها؛ فقد صدر القرار بإزالة الحي القديم ضمن مشروع عمراني جديد، لتنهض مكان البيوت العتيقة مبانٍ حديثة وشوارع واسعة، ويطوي الزمن صفحة حي عاش في ذاكرة أهله أكثر مما عاش على خرائط المدينة.
كان الناس يتحدثون عن المستقبل، أما مزنة فكانت تنظر إلى الماضي. كانت تعلم أن المدن تكبر، وأن العمران يتبدل، وأن عجلة الحياة لا تتوقف انتظارًا لأحد. لكنها كانت تؤمن كذلك بأن للأماكن أرواحًا لا تُقاس بقيمة الأرض، ولا بعدد المباني، وإنما بما احتضنته من أعمار وذكريات.
ولم يكن بيتها في نظرها مجرد أربعة جدران وسقف يحميها من حر الصيف وبرد الشتاء، بل كان سجلًا مفتوحًا لعمرها كله. عند عتبته استقبلت زوجها يوم زفافها، وبين جدرانه وُلد أبناؤها، وفي فنائه لعبوا صغارًا، وعلى أرضه خطا كل واحد منهم خطواته الأولى. وفي إحدى زواياه سهرت الليالي الطويلة بجوار زوجها حين أنهكه المرض، وهناك أيضًا ذرفت دموع الفرح ودموع الحزن، حتى غدا البيت شاهدًا أمينًا على رحلة عمر كاملة.
ومنذ أن تأكد خبر الإزالة، بدأت تتجول في أرجاء المنزل كما يتجول الإنسان في صفحات حياته الأخيرة. كانت تمرر كفها على الجدران في حنان، وتفتح النوافذ واحدة تلو الأخرى، ثم تجلس في فناء الدار صامتة، كأنها تنصت إلى أصوات لا يسمعها سواها. كانت تستعيد ضحكات أبنائها، وحديث زوجها، وأصوات الجارات في أمسيات الصيف، ورائحة المطر حين كان يبلل أرض الفناء القديمة.
وربما لأول مرة، أدركت أن للمكان ذاكرة تشبه ذاكرة الإنسان؛ فإذا هُدم المكان، بقيت الذكريات تبحث عن مأوى في القلوب.
وفي إحدى الأمسيات، قالت لي وهي تنظر إلى جدار طالما استندت إليه:
«يا بُني، ليس أصعب ما في الرحيل أن تترك بيتًا، وإنما أن تترك عمرًا عشته بين جدرانه.» لم أجد جوابًا يواسيها، فقد كانت الكلمات أصغر من أن تحمل ذلك الوجع.
ومع اقتراب موعد الإزالة، أخذ الجيران يغادرون واحدًا بعد آخر. كل يوم يُغلق باب، وتُحمّل شاحنة بالأثاث، وتُطفأ نافذة كانت بالأمس مضاءة. أخذت الأزقة تضيق بالصمت بعد أن كانت تمتلئ بأصوات الأطفال، وأصبح الحي، الذي كان يضج بالحياة، أشبه بشيخ يودّع أبناءه واحدًا تلو الآخر.
وكانت مزنة تلوّح للمغادرين بابتسامتها المعهودة، لكنها ما إن تعود إلى منزلها حتى يثقل الصمت قلبها. لم تكن تبكي أمام الناس؛ لأنها كانت ترى أن بعض الأحزان لا يليق بها إلا السكون.

ملاحظة :  
شذرات من كتاب "يوميات خارج المألوف" يصدر قريبًا بإذن الله.