الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ اكتوبر-٢٠٢٦       6105

بقلم : ياسين سالم

ليس ادّعاء النسب إلى آل البيت رقماً في حاشية التاريخ ، بل باب فُتح على مصراعيه ، صار الانتساب أصلاً يُستدعى كلما غاب الأب.

 

الذين يقولون إنهم من سلالة علي بن أبي طالب من نسل فاطمة الزهراء تجاوزوا ، في قول يُتداول ، الأربعين مليوناً . لم يخترعه ساخر ، بل قاله شخصية معروفة في لقاء متداول ، وجعله بين الثلاثين والأربعين مليوناً ، وزعم أن أسماءهم مسجلة إلى أجدادهم . ويردد معممون كثير مثل هذا ، يضخمون العدد ويوصلون السلاسل كأنها أمر مقضي .

 

والإشكال ليس في إمكان الكثرة ، فالإمكان لا يثبت نسباً ، الإشكال في دعوى الحفظ الكامل ، أربعون مليوناً ، كل واحد محفوظ الاسم ، موصولة سلسلته عبر أربعة عشر قرناً ، تعني أكثر من ألف مليون اسم بلا حلقة ساقطة . فأين هذا السجل؟ من جمعه ، ومن رآه؟ قالوا "مسجّلون" ولم يفتحوا السجل ، والدعوى التي لا تبرز بينتها تسقط ولو أُعيدت على كل منبر .

 

ويضيق الباب من وجه آخر . النسب الذي يحتجون به ذَكَري ، لا كل من وُلد من بنت ، وبعد كربلاء لم يبق من نسل الحسين في العمود الذي يشتهرونه إلا علي زين العابدين ، ومن الحسن فرعان يُذكران ، ثم قرون انقطعت كتبها ، ثم عشرات الملايين بأسماء كاملة ، اتساع العدد وكمال الحفظ لا يجتمعان . فمن ثبتت سلسلته فطريقه السند لا الرقم ، ومن غاب أبوه ثم حضر في الجملة فقد حضره الإحصاء لا الدم .

 

ولم يكن الانتساب خبراً بلا ثمن . وراءه جاه وعمامة وخُمس وإمارة وحُرمة سؤال . كلما صار للنسب مال أو سلطان كثُر من يقول "نحن منه" فلا تظهر الشجرة لأن الأب عُرف ، بل لأن القول به صار نافعاً ، والسؤال عنه صار محرماً .

 

وبهذا الثمن دخل قوم بلدان العرب ، فجعلوا النسب درعاً والدين ختماً ، وحكموا وجَبوا وأخذوا الخُمس باسم قرابة لم تُعرض سلسلتها . ما كان النسب عند هؤلاء خبراً عن الأب ، بل إذناً باليد في المال والرقاب .

 

ولذلك دخل المعممون لا كطالبي نسب يُعرض على محك السند ، بل كأصحاب عمامة يكفي حضورها ليستكمل النسب . من بَعُد لسانه وأرضه عن جزيرة العرب قروناً يُنسب إلى البيت ، ومن لَبس العمامة صار السيّد قبل أن يُسأل عن الأب . لا سند يُراجع ، ولا انقطاع يُعترف به ، "العمامة تكفي" .

 

وهكذا صار البيت مأوى لكل من غاب أبوه ، وصارت السيادة ثوباً يُلبس كلما احتيج إلى أصل لا يُسأل عنه .