بقلم : غازي العوني
ليست معركتنا في اليمن معركة حدود وجبال فحسب، بل معركة وعي وحكمة. فما فعلته جماعة الحوثي ليس احتلالاً للأرض فحسب، بل احتلالٌ للعقل اليمني، ومصادرةٌ لحكمةٍ شهد لها التاريخ، وشهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "الإيمان يمان والحكمة يمانية".
لقد اجتمعت هذه الجماعة على الجهل، وتحالفت معه، وجعلت منه مشروعاً للحكم. فالجهل ليس غياب علم لديها، بل هو أيديولوجيا. جهلٌ بالمذهب حين حولته من رأي فقهي إلى حق إلهي في الحكم، وجهلٌ بالإنسان حين جعلت من لونه ونسبه ومعتقده مبرراً لاستعباده، وهذا هو جوهر معاداة الإنسانية الذي يقوم على الجهل العقيم.
كل شبر في اليمن احتله الجهل، سيُحرر. هذه ليست أمنية، بل حتمية تاريخية. فالحكمة لا تموت، وإن غابت. قد تُحاصر في صنعاء، وتُهجر من صعدة، وتُقاتل في مأرب وتعز، لكنها لا تنتهي، لأنها في جينات الإنسان اليمني.
لقد حول الحوثي المدارس إلى متارس، والمساجد إلى منصات للصراخ، والمناهج إلى ملازم للموت. أراد أن يبني جيلاً لا يفكر كيف يفكر، وهنا مكمن الخطر. فهو لم يستهدف الأمن الفكري فقط، أي محتوى ما نعتقد، بل استهدف الأمن المعرفي، أي آلية كيف نعتقد ونستدل ونتخذ القرار. وهو أخطر أنواع الاحتلال.
إن تحرير اليمن لن يكتمل بتحرير ترابه من السلاح، ما لم نحرر حكمته من الجهل. والتحرير الحقيقي يمر بثلاث مراحل.
أولاً: عزل الخلل أن نعزل الفكرة الحوثية المتطرفة عن المذهب الزيدي الأصيل، وعن الهوية اليمنية الجامعة. فالحوثية ليست مذهباً، بل حركة مسلحة عنصرية تلبس لبوس المذهب.
ثانياً: حماية الخط حماية الخط الحضاري لليمن، خط الحكمة والتعايش والتجارة والعلم، الذي جعل اليمن ملتقى الحضارات، لا مقبرة لها.
ثالثاً: استمرار النقل نقل هذه الحكمة إلى الأجيال القادمة، عبر تعليم وطني، وإعلام واعٍ، وخطاب ديني وسطي.
إن الجماعة التي تحتفل بقطع الرؤوس لا يمكن أن تحمل حكمة. والجماعة التي تفجر المنازل وتجند الأطفال لا يمكن أن تبني وطناً. والجماعة التي ترى أن الله خلق اليمنيين درجات، سادة وعبيداً، هي جماعة تعادي الإنسانية في أصلها، قبل أن تعادي اليمنيين.
اليمن اليوم يعاني، نعم. يعاني منذ سنوات طويلة من سطوة جماعة اجتمعت على الجهل واحتلت حكمة اليمن. لكن التاريخ يعلمنا أن كل احتلال جهل، مهما طال، ينتهي بانتصار الحكمة.
سيعود اليمن حكيماً، لأن الحكمة ليست شعاراً نرفعه، بل قيمة تسكن فينا. ومن يجعل الاختلاف مبرراً للاضطهاد، يهدم قيمة الإنسان قبل أن يستهدف الآخر. وهذا ما فعلته الحوثية تماماً.
*وكل ما احتله الجهل، سيحرره الوعي.*