الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ اكتوبر-٢٠٢٦       6050

بقلم- علي بن عيضة المالكي
بدأت فصول قصة الحوثيين من طموحٍ سياسي اتخذ السلاح وسيلةً إلى النفوذ، ثم اتسعت دائرة الصراع حتى وجد اليمن نفسه أمام واقعٍ معقد تتداخل فيه الحسابات المحلية والإقليمية. ومع مرور السنوات، تحولت السيطرة على الأرض من مكسب عسكري إلى اختبار سياسي ثقيل؛ فالدولة لا تُبنى بالجغرافيا وحدها، والنفوذ لا يتحول إلى شرعية بمجرد امتلاك القوة. ومن هنا بدأت ملامح المأزق تتشكل، كلما اتسعت الفجوة بين مشروع السيطرة واستحقاقات الدولة.
لو نجتر الذاكرة قليلاً لتذكر ما حصل عام 2014م  لمّا دخل الحوثيون صنعاء، وقتها بدا المشهد وكأن الجماعة استطاعت فرض معادلة جديدة على اليمن. توسعت رقعة النفوذ، وتقدمت القوات في اتجاهات متعددة، واستند المشروع إلى قوة السلاح وإلى خطاب سياسي وهذا أمر غير مقبول مطلقًا كونه حاول تقديم السيطرة باعتبارها طريقًا لإعادة تشكيل الدولة. غير أن السيطرة على العاصمة حملت معها استحقاقات أكبر من القدرة على اقتحام المدن؛ فإدارة الدولة تحتاج إلى مؤسسات، والتعامل مع المجتمع يحتاج إلى توافق، وصناعة المستقبل تحتاج إلى مشروع يتجاوز منطق الغلبة وهذا لم يكن بمقدور هذه الجماعة الدخيلة بفكرها على المجتمع اليمني نظرًا لأنها لم تكن جاهزة سياسيًا واجتماعيًا وفكريًا، ولم تكن تملك القرار من الداخل إنما كانت تتلقى التوجيهات وفقًا للمرجعية المذهبية من إيران وحزب الله اللبناني بالدليل وجود القيادات والخبراء من تلك  الجهات.
جاء بعده تدخل التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس عام 2015م استجابة لطلب الحكومة اليمنية، ودخل الصراع مرحلة مختلفة، ارتبطت فيها القضية اليمنية بأمن الحدود واستقرار المنطقة وحماية الممرات البحرية. ومع اتساع المواجهة، وجد الحوثيون أنفسهم أمام معادلة عسكرية وسياسية أكثر تعقيدًا، وأمام تحالف يمتلك قدرات كبيرة ويسعى إلى دعم الحكومة اليمنية ومنع تحول اليمن إلى مصدر تهديد إقليمي.
السنوات التالية كشفت أن امتلاك السلاح يمنح صاحبه قدرة على فرض واقع، لكنه لا يمنحه تلقائيًا القدرة على صناعة دولة. فكل جبهة تحتاج إلى إمداد، وكل منطقة تحتاج إلى إدارة، وكل توسع عسكري يفتح أمام صاحبه أسئلة سياسية واجتماعية وأمنية جديدة. وهنا يبدأ الفرق بين السيطرة المؤقتة والقدرة على البقاء؛ الأولى ترتبط بموازين القوة، والثانية ترتبط بالشرعية والقبول والاستقرار.
الحوثيون واجهوا خلال مسار الحرب تغيرات متواصلة في خطوط المواجهة، وتبدلًا في التحالفات، وضغوطًا سياسية واقتصادية وعسكرية. ومع كل جولة، ظهرت حقيقة أكثر وضوحًا: الجغرافيا اليمنية أكبر من أن تختصرها جماعة، والمجتمع اليمني أكثر تنوعًا من أن يحتمل مشروعًا واحدًا يفرض نفسه بقوة السلاح.
المفارقة أن المشروع الذي بدأ بفكرة التمدد وجد نفسه مع مرور الوقت أمام استحقاق المحافظة على ما تمدد إليه. السيطرة تحتاج إلى موارد، والموارد تحتاج إلى اقتصاد، والاقتصاد يحتاج إلى استقرار، والاستقرار يحتاج إلى دولة. وكلما غابت هذه الحلقة المتكاملة، تحولت السيطرة من ورقة قوة إلى عبء سياسي وأمني.
أما التحالف بقيادة السعودية، فقد تعامل مع الملف اليمني من زاوية تتصل بأمن المملكة واستقرار اليمن والمنطقة، وفي الوقت ذاته ظلت الأمم المتحدة تدفع باتجاه مسار سياسي ينهي الحرب ويضع أساسًا لتسوية يمنية شاملة. وهذا يوضح أن الحل العسكري وحده لا يكفي لصناعة مستقبل اليمن؛ فالمخرج الحقيقي يرتبط بقدرة اليمنيين على بناء دولة جامعة تستعيد قرارها ومؤسساتها وسيادتها.
الهروب في هذا السياق يحمل معنى سياسيًا أوسع من الانسحاب من موقع عسكري. إنه هروب من استحقاق مواجهة الأسئلة الكبرى: ماذا بعد السيطرة؟ وكيف تُدار الدولة؟ وكيف يمكن تحويل القوة إلى مشروع سياسي مقبول؟ وكيف يستطيع طرف مسلح أن يقدم نفسه باعتباره ممثلًا لمجتمع متعدد الاتجاهات والانتماءات؟
في الحقيقة اليمن دفع ثمنًا باهظًا لهذا الصراع. سنوات الحرب أضعفت الاقتصاد، وأثقلت كاهل المجتمع، ووسعت دائرة الاحتياج الإنساني، وجعلت المواطن اليمني يدفع تكلفة صراع يفوق قدرته على الاحتمال. ولذلك فإن استمرار الحرب يوسع دائرة الخسارة، بينما تحتاج البلاد إلى مسار يعيد الاعتبار للإنسان اليمني، ويمنح الدولة مؤسساتها، ويضع مستقبل البلاد فوق حسابات الجماعات والمشروعات الإقليمية.
القوة قد تمنح صاحبها لحظة تفوق، لكنها تحتاج إلى مشروع سياسي يحفظ نتائجها. ومن يختزل الدولة في السلاح يكتشف مع الوقت أن السلاح يستطيع فتح الأبواب، لكنه عاجز عن بناء البيت. وهذه هي المعضلة التي واجهها الحوثيون طوال سنوات الصراع: كلما اتسعت مساحة السيطرة، اتسعت معها مساحة المسؤولية، وكلما طال أمد الحرب، أصبح السؤال عن المستقبل أكثر إلحاحًا.
من هنا يمكن فهم الانتقال من وهم السيطرة إلى مأزق الهروب؛ فالمسألة تتجاوز حركة مقاتلين من منطقة إلى أخرى، لتصل إلى مأزق مشروع سياسي وجد نفسه أمام جغرافيا متحركة، وتوازنات متغيرة، ومجتمع يبحث عن دولة تحفظ أمنه وكرامته ومستقبله.
اليمن يحتاج إلى سلام يحفظ وحدته، ودولة تستعيد قرارها، ومؤسسات تعمل لمصلحة جميع اليمنيين. يحتاج إلى تسوية سياسية تضع حدًا لمنطق السلاح وتفتح الطريق أمام إعادة البناء. فالمعركة الحقيقية التي تنتظر اليمن بعد سنوات الصراع هي معركة استعادة الدولة، وترميم المجتمع، وإعادة بناء الثقة، وصناعة مستقبل يتسع للجميع.
وهنا تتضح خلاصة تلك الفصول: السيطرة على الأرض قد تصنع نفوذًا، لكنها وحدها لا تصنع وطنًا. ومن يضع مشروعه فوق الدولة يجد نفسه في نهاية الطريق أمام سؤال أكبر من قدرته على السيطرة: كيف يخرج من مأزق صنعته سنوات القوة؟ عندها يصبح الهروب من الميدان صورةً من صور الهروب من استحقاق سياسي أثقل من كل الجبهات وهذا ما يحدث الآن لهذه الجماعة الخارجة على القانون.