الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ اكتوبر-٢٠٢٦       9955

بقلم ـ د. طارق بن محمد بن حزام 

يعيش الإنسان في عالم تتداخل فيه المعرفة والمشاعر والتجارب والقناعات، وتتأثر قراراته بما يحيط به من مؤثرات وضغوط. ومن هنا تبرز أهمية الوعي الفكري؛ فهو الذي يحمي العقل من الاستلاب، ويمنح الإنسان القدرة على التعامل مع الأفكار بوعي واتزان، دون أن يغلق أبواب التعلم والمراجعة والتطور.

فالإنسان ليس محصنًا تلقائيًا ضد الأفكار التي تحيط به؛ فقد تتسلل إليه عبر التعليم والإعلام والصحبة والبيئة الاجتماعية، وقد يجعلها التكرار مألوفة، ثم تتحول المألوفية مع الوقت إلى قناعة، وربما إلى سلوك، دون أن تمر باختبار حقيقي.

ولهذا فإن العقل الواعي لا يقبل الفكرة لمجرد شيوعها، ولا يرفضها لمجرد اختلافها، بل يسأل ويتحقق ويقارن، ويميز بين الدليل والانطباع، وبين الحجة والتأثير العاطفي. فالمعيار هو قوة البرهان، وسلامة الاستدلال، واتساق المعطيات.

ومن علامات النضج الفكري أن يعرف الإنسان مصادر قناعاته، وأن يمتلك شجاعة مراجعتها، وأن يعترف بالخطأ إذا ظهر له. فالتراجع عن الخطأ ليس ضعفًا، بل دليل على النضج والقدرة على التعلم.

ولا يقتصر الوعي على الأفكار؛ فالمشاعر قد تؤثر في طريقة فهمنا للأحداث واتخاذنا للقرارات. وقد يرفض الإنسان حقيقة صحيحة لأنها تخالف ما اعتاده، أو تمس صورة معينة يحملها عن نفسه أو الآخرين. ولذلك من المهم أن يميز بين الشعور والحكم، وألا يجعل الغضب أو الخوف أو الانتماء وحدها أساسًا لقراره.

كما أن الإنسان قد يبحث، دون أن يشعر، عما يؤكد قناعاته، ويتجنب ما قد يضعها موضع التساؤل. وهنا تظهر قيمة الوعي؛ إذ يساعده على اكتشاف انحيازاته، والنظر إلى الأمور بقدر أكبر من التجرد والإنصاف.

إن قوة الإنسان لا تكمن في كثرة ما يعرف، ولا في صلابة ما يعتقد، وإنما في قدرته على أن يفكر، ويتحقق، ويختلف، ويراجع نفسه.

فالعقل الواعي لا يخشى مراجعة أفكاره، ولا يخشى الوصول إلى الحقيقة؛ لأنه يدرك أن النضج ليس في التمسك الدائم بما نعتقد، وإنما في امتلاك الشجاعة لتصحيح ما نعتقد.

وبين عقلٍ يفحص، ووجدانٍ يتزن، وإرادةٍ تملك شجاعة المراجعة، تتشكل شخصية قادرة على مواجهة عالم متغير دون أن تفقد بوصلتها، وتنفتح على الجديد بوعي مسؤول، وتحمي استقلالها الفكري دون أن تنعزل عن الآخرين.