الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ اكتوبر-٢٠٢٦       2475

جدة - حمودالزهراني

تواصل المؤسسة العامة للمحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر جهودها الريادية في حماية السلاحف البحرية وصون موائلها الطبيعية، عبر منظومة متكاملة تشكل نموذجاً للعمل البيئي المتخصص، الذي يجمع بين الإنقاذ والرعاية، وحماية الموائل، والبحث العلمي، وبناء القدرات الوطنية.

 

وتأتي هذه الجهود في إطار تكامل أعمال المؤسسة مع الشركاء، بما يعزز استدامة التنوع الأحيائي ويدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 في صون مواردها الطبيعية، وحماية الأنواع المهددة، وتعزيز استدامة النظم البيئية البحرية.

 

تتجاوز قيمة جهود المؤسسة حدود المحافظة على السلاحف البحرية في المياه السعودية، إذ تنتج هذه البرامج معرفة وخبرات متخصصة يمكن أن تسهم في دعم الجهود الإقليمية والدولية للمحافظة على السلاحف وموائلها.

 

الإنقاذ والعلاج وإعادة التأهيل

 

أسهمت جهود المؤسسة في تشغيل أول مركز متخصص لرعاية السلاحف البحرية في الشرق الأوسط، بالتعاون مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وفق بروتوكولات علاجية موحدة، وتطوير أربع تقنيات علاجية وتشخيصية تُطبق للمرة الأولى عالمياً في رعاية السلاحف البحرية. كما جرى تفعيل شبكة للاستجابة لحالات الجنوح على مدار الساعة، تعاملت خلال عام 2026 مع 136 سلحفاة، ليرتفع إجمالي الحالات التي جرى التعامل معها منذ عام 2024 إلى أكثر من 300 سلحفاة. وقد نجح البرنامج في علاج 94 سلحفاة، وإعادة 74 منها إلى بيئتها الطبيعية، وشملت الجهود أيضاً إنقاذ وعلاج 20 سلحفاة بحرية من بعض المرافق الخدمية.

 

تعكس هذه الأرقام تطوراً نوعياً في منظومة الاستجابة البيطرية والإنقاذ، يتجاوز التعامل مع الحالات الفردية إلى بناء قدرة مؤسسية متخصصة. كما أن إعادة 74 سلحفاة إلى موائلها الطبيعية تمثل أثراً مباشراً لجهود التأهيل، فيما يبرز التعاون مع الجهات المشغِّلة مع المرافق الخدمية أهمية الشراكات في الحد من المخاطر التي تهدد الحياة البحرية.

 

تقييم الموائل وحمايتها

 

أنجزت المؤسسة التقييم الوطني الأساسي لموائل تعشيش السلاحف البحرية من خلال مسح أكثر من 2200 شاطئ ، وأسفرت النتائج عن تحديد 638 موقعاً لتعشيش السلاحف البحرية، من بينها 23 موقعاً رئيسيًا تضم نحو 70% من حالات التعشيش، ضمن نطاق ساحلي يمتد لنحو 40 كيلومتراً. كما أُعدت واعتمدت خطة للإدارة البيئية وفق تصنيف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. وشملت الإنجازات اكتشاف موقع تعشيش جزر الأخوات الأربع، بوصفه أكبر موقع معروف في المياه السعودية لتعشيش السلاحف الخضراء والسلاحف صقرية المنقار، أعقب ذلك تنفيذ سبع بعثات ميدانية لمسح الموائل. وتعمل المؤسسة كذلك على ربط المواقع الرئيسية الثلاثة والعشرين ضمن برنامج موحد للرصد على امتداد البحر الأحمر، إلى جانب إعداد توصيات لإعادة تأهيل أحد مواقع التعشيش الرئيسية في ينبع، ومعالجة تحديات غبار الأسمنت والمعادن الثقيلة والتلوث الضوئي.

 

تكشف نتائج المسوحات عن اتساع قاعدة المعرفة المكانية بمواقع التعشيش، وتوفر معلومات أكثر دقة لتوجيه جهود الحماية نحو المواقع ذات الأهمية البيئية الأعلى. كما أن اكتشاف مواقع ذات أهمية وطنية، يؤكد أن قيمة الرصد الميداني في تحديث التقديرات وتطوير خطط الإدارة. أما توحيد رصد المواقع الرئيسية، فيمثل خطوة مهمة للانتقال من حماية المواقع بصورة منفردة إلى إدارة مترابطة لموائل السلاحف على امتداد البحر الأحمر.

 

البحوث البحرية والرصد العلمي

 

اعتمدت المؤسسة على التقنيات الحديثة لتعزيز المعرفة العلمية بالسلاحف البحرية، إذ استخدمت الطائرات المسيّرة لتحديد مناطق تزاوج للسلاحف لم تكن موثقة سابقاً. كما ركّبت ستة أجهزة تتبع بالأقمار الصناعية على سلاحف صقرية المنقار ، ضمن برنامج يستهدف تركيب العديد من الأجهزة، بهدف فهم أنماط توزيعها وحركتها في جنوب البحر الأحمر. ونفذت المؤسسة 150 مسحاً ميدانياً، سجلت خلالها أكثر من 520 مشاهدة، إلى جانب العمل على تطوير أول إطار وطني لدراسة انتشار صغار السلاحف ومساراتها والموائل التي تعتمد عليها خلال مراحل حياتها المبكرة.

 

وتمثل هذه الجهود انتقالاً من الرصد التقليدي إلى البحث العلمي المعتمد على التقنيات المتقدمة، بما يتيح الكشف عن سلوكيات ومناطق استخدام لم تكن موثقة من قبل. وتكتسب دراسات التتبع أهمية خاصة في فهم حركة السلاحف واحتياجاتها البيئية، فيما يُتوقع أن يسهم الإطار الوطني المقترح لدراسة صغار السلاحف في سد فجوة معرفية مهمة، ودعم القرارات المستقبلية المتعلقة بحماية الأنواع وموائلها.

 

بناء القدرات والتوعية البيئية

 

عملت مؤسسة شمس على تطوير الكفاءات الوطنية وتنمية الخبرات المتخصصة، وتعزيز الوعي البيئي، من خلال تنفيذ عدد من الدورات تدريبية في إنقاذ الأحياء البحرية لمراقبين من الجهات ذات العلاقة على رصد السلاحف في البحر وعلى الشواطئ. كما نفذت برنامجاً تدريبياً مكثفاً في الرعاية البيطرية للسلاحف لطلاب من جامعة الملك فيصل.

 

وعلى صعيد التوعية، طورت المؤسسة، بالتعاون مع وزارة التعليم، منهج المدارس الزرقاء الذي تتصدر السلاحف البحرية محاوره التوعوية للمرحلتين الابتدائية والثانوية، واعتمدته الوزارة عام 2026، إلى جانب العمل على إعداد مدونة سلوك وطنية موحدة لتنظيم التعامل مع السلاحف، تمهيداَ لاعتمادها ونشرها.

 

تؤكد هذه المبادرات أن حماية السلاحف البحرية لا تقتصر على التدخل الميداني، بل تتطلب الاستثمار في الكفاءات الوطنية، ونقل الخبرات، وترسيخ الوعي البيئي لدى الأجيال الناشئة. ويُبرز تدريب المراقبين والطلاب ودعم الباحثين السعوديين دور المؤسسة في بناء كوادر متخصصة، فيما يمثل اعتماد منهج المدارس الزرقاء خطوة استراتيجية لترسيخ ثقافة حماية الحياة البحرية، وتعزيز المسؤولية المجتمعية تجاه البيئة.

 

نحو أثر بيئي مستدام

 

تعكس إنجازات المؤسسة العامة للمحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الاحمر نموذجاً متقدماً للعمل البيئي المتخصص، حيث تؤكد أن حماية السلاحف البحرية في البحر الأحمر تقوم على منظومة متكاملة تجمع بين الاستجابة للحالات الطارئة، وصون مواقع التعشيش، وتطوير البحث العلمي، وتأهيل الكفاءات، ونشر الوعي.

 

ومع تكامل هذه الجهود مع الشركاء، تتعزز فرص بناء نموذج مستدام لحماية السلاحف البحرية، يستند إلى البيانات العلمية والشراكات الفاعلة، ويسهم في صون التنوع الأحيائي ودعم الالتزامات البيئية للمملكة.