الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ اكتوبر-٢٠٢٦       6490

بقلم ـ عبدالله بن محمد القرني

لم أكن أدرك أن خطوات متقطعة بدأتُها خلال جائحة كورونا ستقودني إلى تجربة تغيّر نظرتي إلى المشي والناس والمكان. كنت أمشي منفرداً وبصورة غير منتظمة؛ أقطع عشرة آلاف خطوة أحياناً، وتنخفض إلى ثلاثة آلاف في أحيان أخرى. كنت أبحث عن الحركة، لكنني لم أجد المتعة التي تدفعني إلى الاستمرار.

وبمحض الصدفة، انضممت إلى مجموعة عبر تطبيق «الواتساب» تابعة لجمعية مجتمع المشاة «مشاة الرياض». بدأت أراقب ما يُنشر من تحفيز ونصائح، وبرامج يومية وأسبوعية للفرق المنتشرة في أحياء الرياض، حتى دفعني الفضول إلى مشاهدة أحد أنشطتهم عن قرب. وفي أحد أيام الجمعة توجهت إلى منتزه الملك عبدالله بالملز، فرأيت أشخاصاً يمشون بسرعة، وآخرين على مهل، ومجموعة تستقبل القادمين بحفاوة، وشخصاً يوثّق اللحظات بعدسة شغوفة. وبينهم رجل يمشي، يمازح المارين ويتراجع أحياناً إلى الخلف وهو يردد بكلمات جنوبية عذبة: «يالله يالله.. بنور الله نمشي، بحلاه بحلاه.. كوذية كوذية». أعجبتني تلك الروح، وقررت خوض التجربة.

واكتشفت وجود أكثر من خمس وعشرين فرقة في أحياء الرياض، فوجدت ضالتي في فريق «مشاة القادسية» القريب من سكني. منذ مشاركتي الأولى معهم لمست الألفة والبساطة؛ فالابتسامة تسبق التعارف، والترحيب يختصر المسافات، والخطوات تفتح أبواب الحديث بلا تكلف. وبعد أيام، كانت رحلتي الأولى معهم إلى رمال سعد، فمشيت فوق الرمال ساعة كاملة للمرة الأولى في حياتي، ثم جاءت «جلسة السعادة» بما فيها من إفطار وشاي وقهوة وأحاديث عفوية. ومن هناك بدأت الحكاية الحقيقية، وصرت أحرص على حضور البرامج المجدولة لفريق القادسية، وفجر الجمعة مع جميع الفرق في أحد المنتزهات.

وفي مسارات المشي والهايكنج يتساوى الجميع، وتخفت الألقاب والمناصب، ليظهر الإنسان بطبيعته وتتكشف أخلاقه. ومن خلال المسافات والمواقف تعرفت إلى معادن من أخالطهم؛ فالتعب يُظهر الإيثار، والطريق يكشف الصبر، والمسار الصعب يبيّن من ينتظر رفيقه ويمد له يد العون. وقد تعرف إنساناً في ساعات من المشي أكثر مما تعرف شخصاً جالسته سنوات.

وتعلمت من أصحاب الخبرة في المشي والهايكنج الأساليب الصحيحة، وكيفية الاستعداد للمسارات وممارستها بوعي وأمان. ودفعني الشغف إلى متابعة المقاطع التثقيفية عن الفوائد الصحية والنفسية والاجتماعية، والملابس والأحذية والتجهيزات المناسبة، حتى أصبحت لدي ثقافة جيدة تساعدني على اختيار ما يناسبني. كما استفدت من نصائح أعضاء جمعية مجتمع المشاة، ومن الجرعة التوعوية التي يقدمها الدكتور صالح الأنصاري كل جمعة في نهاية البرنامج، رابطاً المشي بالصحة والوعي وجودة الحياة. ومع مرور الوقت، انتقلت من المشاركة إلى الإسهام بما أجيده؛ فبدأت أشارك إدارة الجمعية والأعضاء في التصوير والمونتاج والتوثيق، لتصبح الكاميرا وسيلة لحفظ الذكريات ونشر ثقافة المشي.

ولم تكن التجربة رياضية واجتماعية فحسب، بل رحلة لاكتشاف الوطن؛ فمن خلال الفعاليات تعرفت إلى معالم تاريخية وأثرية لم أكن أعرفها، وسلكت دروباً تحمل ذاكرة المكان وحكاياته. كما شاركنا الجهات الحكومية في عدد من المبادرات والأعمال التطوعية، فتحولت الخطوات إلى مشاركة مجتمعية وخدمة للوطن.

ولم يكن هذا الحراك بعيداً عما تشهده المملكة في ظل رؤية السعودية 2030؛ فقد أسهمت برامج الرؤية والوزارات والجهات المعنية في إيجاد بيئة محفزة للنشاط البدني، وتحسين جودة الحياة، وأنسنة المدن. فانتشرت مسارات المشاة في المدن والحدائق والأحياء، وامتدت العناية إلى الدروب الطبيعية والتاريخية، لتعود الطرق التي تنقّل عبرها إنسان هذه الأرض جسوراً تصل الحاضر بالماضي، وتجمع الرياضة بالتاريخ والسياحة والثقافة.

ومن خلال اهتمامي بتجارب المشي داخل المملكة وخارجها، وجدت أن المبادرات البسيطة يمكن أن تصبح مشروعات مجتمعية واسعة إذا وجدت الدعم والتخطيط العلمي. ففي إنجلترا أُطلق برنامج «المشي من أجل الصحة» عام 2000، ثم نما إلى شبكة وطنية تعتمد على تدريب قادة متطوعين لتنظيم جولات صحية قصيرة ومنتظمة. وتكشف هذه التجربة أهمية إشراك المجتمع، وتأهيل قادة المشي والمتطوعين في التنظيم والتثقيف الصحي وتقديم الدعم الاجتماعي.

ومن هنا، أتمنى أن تحظى مجموعات وجمعيات المشي في مختلف مناطق المملكة بمزيد من الدعم والرعاية؛ فهي لا تقدم نشاطاً رياضياً فحسب، بل تسهم في الصحة العامة، وتعزيز العلاقات الاجتماعية، وتشجيع التطوع، واكتشاف المكان، وترسيخ جودة الحياة. وتأتي تجربة جمعية مجتمع المشاة «مشاة الرياض» نموذجاً وطنياً يستحق الدراسة؛ فقد بدأت عام 2015 بسبعة مشاة، ثم نمت إلى نحو ألفي عضو، وتجاوز عدد فرقها خمسة وعشرين فريقاً في أحياء الرياض. وهي تجربة تستحق إجراء دراسات علمية وميدانية يشارك فيها المتخصصون في الجوانب النفسية والاجتماعية والرياضية والصحية؛ لتطويرها والاستفادة منها محلياً وعالمياً.

لقد صنعت الخطوات بيننا صحبةً يصعب أن تصنعها المجالس العابرة؛ لأننا لم نتبادل الأحاديث فحسب، بل تقاسمنا الطريق والتعب والفرح، واكتشفنا معاً أن المشي قد يبدأ بحثاً عن الصحة، ثم يتحول إلى أسلوب حياة وعلاقة أعمق بالإنسان والوطن.

دخلت عالم المشي باحثاً عن الحركة، فوجدت صحةً تقوّي الجسد، ووعياً يغذّي العقل، ووطناً أكتشف معالمه، ومجتمعاً أخدمه، وصحبةً تُسعد القلب. وأدركت أن بعض الطرق لا تقودنا إلى الأماكن فقط، بل تقودنا إلى أشخاص يصبحون جزءاً جميلاً من حياتنا.