بقلم ـ عبد الناصر بن على الكرت
لم تكن كلمة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التي ألقاها أمام مجلس الشورى نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، مجرد وقوف على ما تحقق خلال عام من العمل الوطني، بقدر ما كانت قراءة لموقع المملكة في مرحلة عالمية تتغير فيها موازين الاقتصاد والسياسة والأمن، وتتداخل فيها المصالح بصورة تجعل قوة الدولة الداخلية امتداداً طبيعياً لحضورها الخارجي.
ومن يقرأ مضامين الكلمة يجد أن المملكة تنظر إلى مستقبلها من زاوية أوسع من حدود التنمية المحلية، فالمشهد السعودي الذي يتشكل اليوم يجمع بين اقتصاد يتنوع وتتسع قاعدته، وقدرات تقنية تتقدم، ومنظومة أمنية تحمي المكتسبات، ودبلوماسية نشطة تتعامل مع أزمات المنطقة والعالم.
واللافت في خطاب سموه أن مؤشرات أداء برامج واستراتيجيات رؤية السعودية 2030 حققت مستهدفاتها أو شارفت على تحقيقها، فيما نمت الصادرات غير النفطية بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص إلى 51% من الاقتصاد. ولهذه الأرقام معنى كبير وأهمية أكبر، لأنها تعكس انتقال الاقتصاد من الاعتماد على مصدر واحد للقوة إلى منظومة أكثر تنوعاً واتساعاً.
فالصناعة والتعدين والاستثمار واللوجستيات والمحتوى المحلي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ليست مسارات منفصلة، بل حلقات مترابطة لبناء قدرة وطنية متكاملة. وقد أعلنت المملكة عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي، في توجه يؤكد أن المنافسة المقبلة لن تكون على الموارد وحدها، بل على المعرفة والابتكار وتحويل التقنية إلى إنتاج وفرص وحلول. ومن هنا تتضح ملامح التحول الذي مكّن المملكة، في عدد من المجالات، من الوصول إلى مراكز متقدمة عالمياً منذ بدايات هذه الانطلاقة.
والواقع أنه رغم ما يعيشه العالم اليوم من عدم استقرار، وما تمرّ به بعض الدول من أزمات، فإن الطمأنينة الحقيقية في بلادنا تنبع مما نراه ونلمسه من استعداد الدولة الرشيدة لعالم متغير، بما تمتلكه من عناصر القوة والمرونة التي تحمي مكتسباتها، وتمكّنها من مواصلة مسيرتها الطموحة بثقة وثبات.
وفي هذا السياق، تبدو السياسة الخارجية امتداداً طبيعياً لقوة الداخل. فالمملكة تتحرك في محيط إقليمي معقد، وتدعم خفض التصعيد والحلول السياسية، مع تمسّكها بأمنها ومصالحها ومواقفها تجاه القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب دعم استقرار اليمن والسودان.
وتبرز هنا معادلة أساسية: أن القوة التي تحمي السلام ليست بالضرورة قوة تبحث عن الصدام. فالدبلوماسية تحتاج إلى قوة تسندها، والقوة تحتاج إلى حكمة تمنع تحولها إلى مواجهة. وللحكمة أدواتها ودهاتها، وهذا ما تسعى إليه المملكة في توسيع مساحة الاستقرار وحماية مصالحها الوطنية.
كما أن مكانة السعودية في الاقتصاد العالمي لم تعد مرتبطة بالطاقة وحدها، فالموقع الجغرافي والتجارة والاستثمار والسياحة والصناعة والتقنية وسلاسل الإمداد، تفتح أبواباً جديدة للحضور والتأثير. وما يُبنى في الداخل يمكن أن يتحول إلى وزن أكبر في الخارج.
وإذا كانت السنوات الماضية قد ركزت على التحوّل وبناء الأساس، فإن المرحلة المقبلة تطرح سؤالاً أعمق: كيف نحافظ على ما تحقق ونعظّم أثره، ونجعل الإنجاز قادراً على إنتاج إنجاز جديد؟ وهنا تكتسب الإشارة إلى ما بعد 2030 أهميتها، بما تتطلبه من مشاركة وطنية واعية، لأن الرؤية ليست محطة يتوقف عندها الطموح، بل مرحلة ضمن مسار طويل تتجدد أدواته وتتسع آفاقه.
والأهم من ذلك أن المستقبل السعودي لا يصنعه الاقتصاد وحده، بل الإنسان السعودي سواءً الشاب الذي تتسع أمامه فرص العمل والابتكار، أو الفتاة التي تجد مجالات جديدة لطموحها، وكذلك رائد الأعمال الذي يحوّل فكرته إلى مشروع، والباحث الذي يجد بيئة داعمة للمعرفة، والأسرة التي تتطلع إلى جودة حياة أفضل. فأعظم ما تصنعه التنمية هو أن تمنح الإنسان ثقة أكبر بما يستطيع أن يصبح عليه غداً.
لذلك فإن قوة السعودية المقبلة لن تقاس بما تملكه فقط، بل بما تصنعه من أثر. اقتصاد متنوع وتقنية تستشرف المستقبل، وقدرات تحمي المكتسبات، ودبلوماسية توسع التفاهم، وحضور دولي يجعل المملكة شريكاً مهماً في معالجة قضايا الاستقرار والازدهار. وهذا ما نراه ويراه العالم من حولنا.
وهكذا تبدو كلمة سمو ولي العهد، في جوهرها، أقرب إلى رسم ملامح مرحلة جديدة لسعودية تبني في الداخل، وتحمي مصالحها وتتحرك في الإقليم، وتشارك في العالم بثقة واقتدار، تستمد جذورها من تاريخها، وأدواتها من حاضرها، وطموحها من مستقبلها.
فالمستقبل السعودي ليس وعداً مؤجلاً، بل عمل رائع يتشكل أمام أعيننا، وإنجاز يتكئ على إنجاز، وجيل يفتح الطريق لمن بعده. في ظل قيادة حكيمة صادقة ومؤثرة، وشراكة شعبية مخلصة وفاعلة.