بقلم : الصادق جادالمولى
في السياسة تُعرف قيمة الكلمات من الساعة التي قيلت فيها، ولهذا جاء حديث سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أمس أمام مجلس الشورى عن السودان في ساعة ثقيلة من تاريخه، مؤكدًا موقف المملكة الثابت والداعم لوحدته واستقراره والمحافظة على مؤسساته الشرعية وتجنيب شعبه مآسي الحرب والدمار، وكأن العبارة كلها تعيد القضية إلى أصلها الأول، وطن ينبغي أن يبقى وطنًا ودولة ينبغي أن تبقى دولة وشعب أثقلته الحرب ويستحق أن يعود إلى بيته آمنًا.
وللسودانيين أن يقرأوا في هذا الاهتمام أكثر من خبر عابر، فالسودان بالنسبة إلى الرياض بلد على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، يجاورها في الأمن كما يجاورها في الجغرافيا، وأي شرخ كبير في دولته يمتد صداه إلى الإقليم كله، ومن هنا ظل موقف المملكة متعلقًا بحفظ الدولة نفسها، بوحدتها وسيادتها ومؤسساتها، وهي مسألة ازدادت قيمتها مع حرب فتحت أبوابًا كثيرة على التقسيم والتشظي وإطالة أمد الفوضى.
ومن جدة بدأت المملكة مبكرًا محاولة رد الحرب إلى مائدة الكلام، وفي مايو 2023 خرج إعلان جدة ملتزمًا بحماية المدنيين ومؤكدًا سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ثم بقي اسم المدينة حاضرًا في كل حديث عن تسوية ممكنة، وفي ذلك ما يشرح جانبًا من رؤية الرياض للأزمة، فالمطلوب وقف النار وحفظ الإنسان وإبقاء الدولة واقفة حتى يأتي السودانيون إلى السياسة ووطنهم ما زال كاملًا.
ولعل أثقل ما في كلام ولي العهد عبارته عن تجنيب الشعب السوداني مآسي الحرب والدمار، لأن هذه الحرب تجاوزت منذ زمن حسابات البنادق إلى بيوت الناس وأرزاقهم وطرقاتهم ومدارس أطفالهم، وصار إنقاذ السودان يعني قبل كل شيء إنقاذه من أن يعتاد الخراب أو يتعايش مع فكرة أن الانقسام قدر، لذلك يجتمع في الموقف السعودي معنى سياسي واضح ومعنى إنساني لا يقل عنه وضوحًا، دولة واحدة ومؤسسات باقية وناس يعودون إلى ديارهم بدل أن يكبر أبناؤهم في المنافي.
وفي ذاكرة السودان ستبقى للمواقف أيامها وأسماء أصحابها، وسيبقى لمحمد بن سلمان فيها هذا الحضور الذي لم يقبل للسودان أن يُدفع إلى قاع الحرب أو أن تصبح وحدته مادةً للمساومة، وكل ما يرجوه السوداني اليوم أن تبلغ هذه الحرب آخر سطر فيها، وأن يعود وطنه من حافة الخراب إلى نفسه، وسيذكر يومها أن الرياض ظلت تقول له وسط الضجيج إن السودان يجب أن يبقى واقفًا على قدمين صلبتين.