الكاتب :
التاريخ: ٢٩ سبتمبر-٢٠٢٦       14850

وائل سعود العتيبي – الرياض

حين يكتب المسؤول أو القيادي تجربته، فإنه لا يوثق بالضرورة سيرته الشخصية، بقدر ما يفتح نافذة على سنوات من العمل والقرار والتحديات، ويحوّل ما راكمه من خبرة إلى معرفة يمكن أن يستفيد منها الآخرون. وفي المشهد السعودي، قدمت تجارب عدة نماذج لهذا النوع من الكتابة، يأتي في مقدمتها كتاب «حياة في الإدارة» للدكتور غازي القصيبي، الذي نقل جانبًا من تجربته الإدارية إلى الأجيال اللاحقة، وأدرجته وزارة التعليم عام 2018 ضمن مقررات «المهارات الإدارية» في المرحلة الثانوية.

وفي السياق ذاته، يأتي كتاب «نظرية البشت في هندسة الحياة» للمهندس منصور بن هلال المشيطي، نائب وزير البيئة والمياه والزراعة، ليقدم تجربة مختلفة في تحويل الخبرة المهنية إلى معرفة تتجاوز حدود السيرة الإدارية إلى بناء الإنسان وإدارة مساره وصناعة أثره.

هل النجاح أن تصل وحدك؟

من هذا السؤال يمكن قراءة الفكرة المحورية للكتاب؛ إذ لا يتعامل مع النجاح بوصفه مجرد وصول إلى هدف، وإنما يطرح ما بعد الوصول: ماذا يفعل الإنسان بما تعلمه؟ وكيف تتحول خبرته إلى منفعة للآخرين؟ ومتى ينتقل الإنجاز من كونه نجاحًا شخصيًا إلى أثر يمتد إلى المجتمع والوطن؟

ويصف المشيطي كتابه بأنه «جسر بين النجاح الشخصي والأثر العام» و«دليل عملي لهندسة الحياة»، لكنه منذ مقدمته يعيد تعريف العلاقة بين الكاتب والقارئ؛ فلا يقدم نفسه بوصفه بطل الحكاية، ولا يضع تجربته نموذجًا مطلوبًا نسخه، بل يخاطب القارئ بعبارة: «أنت القصة».

ومن هنا تصبح تجربة المؤلف وسيلة لا غاية؛ يضعها أمام القارئ ليستخدمها في مراجعة مساره، وقياس ما قطعه نحو رسالته، وإعادة النظر في اتجاهه حين تتعدد الخيارات.

لماذا «البشت»؟

يحمل العنوان سؤالًا آخر؛ فلماذا اختار المؤلف «البشت» مدخلًا إلى مفهوم «هندسة الحياة»؟

لا يتناول الكتاب البشت بوصفه موضوعًا تراثيًا فحسب، وإنما يجعله مدخلًا رمزيًا إلى فكرة أوسع تتصل بترتيب عناصر الحياة وإيجاد الانسجام بينها. ومن هذا المنظور، يصبح «البشت» نقطة دخول إلى رحلة الإنسان في فهم قدراته وقيمه وأهدافه وتحدياته، وصولًا إلى الرسالة التي يريد أن يتركها.

ولا يدعو الكتاب القارئ إلى البحث عن نفسه في تجربة المشيطي، بل إلى العودة إلى تجربته الخاصة؛ ففي تقديمه يؤكد أن القارئ هو «بطل القصة» و«صانع أحداثها»، وأن الكتاب يمكن أن يكون رفيقًا في الطريق، ومرجعًا عند التحديات، وبوصلة حين تتعدد المسارات.

وبذلك تبدو «هندسة الحياة» أقرب إلى دعوة للمراجعة والوعي منها إلى وصفة جاهزة للنجاح: أين أنا؟ إلى أين أتجه؟ وما المسافة التي قطعتها نحو رسالتي؟

من النجاح الشخصي إلى النجاح الوطني

يتسع مفهوم النجاح في الكتاب ليشمل تمكين الآخرين؛ فالخبرة والمعرفة والتجارب لا يفترض أن تنتهي عند صاحبها، وإنما يمكن أن تتحول إلى أدوات تساعد آخرين على التقدم. ومن هنا ينتقل السؤال من «كيف أنجح؟» إلى «كيف أنجح وأُنجح غيري؟».

وتتبلور هذه الرؤية في العنوان الموسع للكتاب: «من النجاح الشخصي إلى النجاح الوطني»، بما يربط بين بناء الفرد وإسهامه في بناء المجتمع. وقد أوضح المشيطي أن فكرة الكتاب ارتبطت بسؤال: «كيف ننجح ونسهم في نجاح وطننا؟»، مشيرًا إلى أن مبادرة «تطوع بخبرتك» كانت من بين المنطلقات التي أسهمت في بلورة الفكرة، فيما يقدم الكتاب باعتباره باكورة سلسلة «هندسة الحياة» المعنية ببناء الإنسان.

المؤلف.. من الخبرة إلى هندسة التجربة

المهندس منصور بن هلال المشيطي، نائب وزير البيئة والمياه والزراعة، حاصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية من جامعة الملك سعود، وامتدت مسيرته المهنية في مجالات الكهرباء والمياه والبيئة والتخطيط والتطوير، إلى جانب مشاركته في عدد من مجالس الإدارات واللجان وتدرجه في مواقع مهنية وقيادية.

وتمنح هذه الخلفية الكتاب بعدًا إضافيًا؛ إذ تنتقل فكرة «الهندسة» من مجال الأنظمة والمشروعات إلى محاولة قراءة حياة الإنسان باعتبارها مسارًا يحتاج إلى وعي بالتخطيط والاتجاه والغاية والأثر.

أثر يتجاوز الكتاب

ولا يقف مفهوم الأثر عند مضمون «نظرية البشت»، إذ أعلن مؤلفه تخصيص ريع الكتاب وقفًا لجمعية كبار السن الأهلية، وأكدت الجمعية من جانبها مساهمة المشيطي بريع كتابه.

وبذلك يلتقي مضمون الكتاب مع ما يقدمه المؤلف عمليًا؛ فالخبرة تتحول إلى معرفة، والمعرفة إلى مشاركة، والنجاح الشخصي إلى منفعة تتجاوز صاحبه.

في المحصلة، لا يقدم «نظرية البشت» قصة نجاح أخرى يقرأها القارئ ثم يطوي صفحاتها، بقدر ما يعيد القصة إليه. فالسؤال الذي يتركه الكتاب لا يتوقف عند: كيف نجحت؟ بل يمتد إلى: ماذا ستفعل بما تعلمت؟ ومن سيستفيد من خبرتك؟ وماذا سيبقى من رحلتك؟

وهنا تبرز فكرته المركزية: أن قيمة التجربة لا تكتمل بمجرد عيشها، وأن النجاح لا ينتهي عند الوصول، وإنما بما يتحول إليه من معرفة وأثر ومنفعة للآخرين.