الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ سبتمبر-٢٠٢٦       5005

بقلم - امل بازيد
ليس كل تجاوز نسيانًا، ولا كل صمت ضعفًا، ولا كل ابتعاد هروبًا. ثمة مرحلة يبلغها الإنسان حين يدرك أن بعض الأمور لا تحتاج إلى موقف جديد، بل إلى أن يضعها في موضعها الصحيح ويمضي.
يصبح التجاوز نضجًا حين نعرف أن بعض المواجهات لا تغيّر شيئًا، وأن ليس كل كلام يستحق جوابًا، ولا كل موقف يستحق أن نقتطع له شيئًا من سلامنا.
فالحياة لا تصبح أكثر سهولة كلما نضجنا، لكن نظرتنا إليها تصبح أكثر اتزانًا. نكفّ عن تحميل المواقف أكثر مما تحتمل، وعن استنزاف أنفسنا في تفسير أشياء كان يكفي أن نراها كما هي. وكم من أمر أثقلناه بكثرة التفكير فيه، واستحضاره مرارًا، وانتظار إجابة ربما لم تكن موجودة أصلًا.
وقد لخّص الفيلسوف إبكتيتوس معنى قريبًا من ذلك حين رأى أن ما يزعج الإنسان ليس الأشياء في ذاتها، بل الأحكام التي يكونها عنها. وهنا يصبح السؤال: ليس فقط ماذا حدث لنا، بل ماذا فعلنا نحن بما حدث؟
فالنضج لا ينتزع من الإنسان حساسيته، وإنما يهذّب استجابته. فقد نحزن دون أن نسكن الحزن، ونغضب دون أن نسلّم الغضب قراراتنا، ونفتقد دون أن نعود، ونسامح دون أن نهدم الحدود التي بنيناها بعد تجربة.
وهنا يكمن جوهر التجاوز: أن نعترف بما حدث دون أن نمنحه حق إدارة حاضرنا. فالتجاوز لا يمحو الذاكرة؛ إنه يغيّر علاقتنا بها. نتذكر، لكننا لا نعيش الحدث من جديد كلما تذكرناه.
وربما تكون هذه إحدى العلامات الصامتة للتعافي: أن تمرّ أمامنا أشياء كانت تربكنا فلا تربكنا، وأن نتذكر مواقف كانت تستفزنا فلا نشعر بحاجة إلى استعادة المعركة. لا لأن ما حدث أصبح بلا قيمة، بل لأن سلطته علينا انتهت.
ومع هذا الوعي، نتخلى تدريجيًا عن محاولة السيطرة على كل شيء. لا نبحث عن تفسير لكل غياب، ولا نستنزف أنفسنا في تغيير من لم يختر التغيير، ولا نعلّق طمأنينتنا على اعتذار قد يأتي أو لا يأتي. فبعض الإجابات لا تغيّر النهايات.
حتى مفهوم الخسارة يتبدل. فليس كل ما لم يكتمل خسارة، وليس كل باب أُغلق كان بقاؤه خيرًا. أحيانًا نحتاج إلى مسافة كافية كي ندرك أن ما قاومنا نهايته كان يفسح في حياتنا مكانًا لشيء آخر.
وهنا تتغير أسئلتنا. بدلًا من أن نبقى أسرى سؤال: لماذا حدث هذا؟ نسأل: ماذا سأفعل بما حدث؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين أن نبقى عند الحدث، وأن نبدأ من بعده.
عندها يصبح الإنسان أخف؛ ليس لأنه لم يعد يشعر، بل لأنه لم يعد يحمل كل ما يشعر به إلى بقية الطريق. فالهروب يغيّر المسافة بيننا وبين الحدث، لكنه لا يغيّر أثره فينا؛ أما التجاوز فيأتي حين نفهم ما استطعنا فهمه، ونتقبل ما لا نستطيع تغييره، ونختار ألّا نجعل تجربة واحدة عنوانًا لما تبقى من حياتنا.
ولعل التجاوز يبلغ أنضج صوره حين لا نحتاج إلى إعلان أننا تجاوزنا. يكفي أن يظهر ذلك في هدوئنا، وفي الأشياء التي لم تعد تستفزنا، وفي الأبواب التي لم نعد نطرقها، وفي قدرتنا على النظر إلى الماضي دون أن نشعر بأن علينا العودة إليه لتغيير نهايته.

همسة أمل
بعض النضج أن نعرف متى نتمسك، ومتى نترك، ومتى نتحدث، ومتى نمضي. فليس كل ما مرّ بنا خُلق ليبقى معنا؛ بعض التجارب يكفيها أن تعلّمنا، ثم نتركها في مكانها الصحيح ونواصل الطريق.