بقلم- د. عبدالرحمن بن دحام السفان
تعد اللهاية، أو ما يعرف بالمصاصة، من أكثر الوسائل شيوعًا لتهدئة الرضع ومساعدتهم على النوم. وبين من يرى أنها وسيلة فعالة لراحة الطفل، ومن يخشى تأثيرها على نمو الفكين وانتظام الأسنان، يتكرر سؤال مهم لدى كثير من الآباء والأمهات: هل استخدام اللهاية مفيد أم ضار؟
الإجابة ليست في استخدام اللهاية بحد ذاته، وإنما في عمر الطفل، وطريقة استخدامها، وعدد ساعات بقائها في الفم، والمدة التي تستمر خلالها هذه العادة.
فاللهاية قد تكون مفيدة خلال مراحل النمو المبكرة، لكنها قد تتحول مع استمرار استخدامها إلى عادة تؤثر على تطور الفم والفكين وصحة الأسنان.
متى تكون اللهاية مفيدة للطفل؟
يولد الطفل بغريزة طبيعية تعرف بغريزة المص، وهي لا ترتبط بالحصول على الغذاء فقط، بل تؤدي أيضًا دورًا في الشعور بالراحة والطمأنينة.
ولهذا، يمكن أن تحقق اللهاية عددًا من الفوائد عند استخدامها بصورة صحيحة، أبرزها:
⦁ تهدئة الطفل ومساعدته على الاسترخاء
قد تساعد اللهاية على تخفيف التوتر والبكاء، خاصة في الأشهر الأولى من العمر، عندما يحتاج الطفل إلى المص للشعور بالراحة، حتى بعد حصوله على حاجته من الرضاعة.
⦁ المساعدة على النوم وتقليل خطر متلازمة موت الرضيع المفاجئ
تشير توصيات الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن تقديم اللهاية وقت النوم، سواء ليلًا أو أثناء القيلولة، يرتبط بانخفاض خطر متلازمة موت الرضيع المفاجئ.
ولا يُشترط إبقاء اللهاية في فم الطفل طوال فترة النوم، فإذا سقطت بعد استغراقه في النوم، فلا حاجة إلى إعادتها.
ومن المهم التأكيد أن اللهاية ليست بديلًا عن ممارسات النوم الآمن، وفي مقدمتها وضع الرضيع على ظهره فوق سطح نوم ثابت ومستوٍ وخالٍ من الوسائد والأغطية والألعاب.
⦁ تخفيف الانزعاج أثناء بعض الإجراءات الطبية
قد يساعد المص غير الغذائي باستخدام اللهاية على تقليل الشعور بالألم والانزعاج أثناء بعض الإجراءات الطبية البسيطة، مثل سحب عينات الدم أو إعطاء الحقن، خصوصًا لدى الرضع.
⦁ المساعدة في بعض حالات الأطفال الخدّج
قد تُستخدم اللهاية ضمن الرعاية الطبية لبعض الأطفال المولودين قبل موعدهم للمساعدة على تطوير مهارات المص، بما يتناسب مع حالتهم الصحية وتوجيهات الفريق الطبي.
متى تتحول اللهاية إلى عادة ضارة؟
تبدأ المخاوف الصحية عندما يستمر الطفل في استخدام اللهاية لفترات طويلة، خصوصًا بعد السنة الأولى من العمر، أو عندما تصبح موجودة في فمه معظم ساعات اليوم.
ومن منظور طب أسنان الأطفال، فإن أحد أهم العوامل المؤثرة في نمو الأسنان والفكين هو استمرار الضغط على الأنسجة المحيطة بهما خلال مرحلة النمو.
التأثير على انتظام الأسنان ونمو الفكين
قد يؤدي الاستخدام المطول للهاية إلى تغيرات في وضع الأسنان وشكل الأقواس السنية، ومن أبرزها:
العضة المفتوحة الأمامية: عدم تلامس الأسنان الأمامية العلوية والسفلية عند إغلاق الفم.
العضة المعكوسة الخلفية: اختلال العلاقة الطبيعية بين الأسنان الخلفية للفك العلوي والفك السفلي، وقد يرتبط ذلك بضيق عرض القوس السنية العلوية.
زيادة بروز الأسنان الأمامية العلوية: نتيجة التأثير المستمر لعادات المص على مواضع الأسنان ونمو الأنسجة المحيطة بها.
وتشير الأكاديمية الأمريكية لطب أسنان الأطفال إلى أن استمرار استخدام اللهاية بعد عمر 18 شهرًا قد يؤثر في تطور الفم والفكين، وأن شدة التأثير ترتبط بمدة الاستخدام وتكراره وطبيعة عادة المص.
التأثير المحتمل على تطور الكلام
عندما يقضي الطفل ساعات طويلة واللهاية في فمه أثناء الاستيقاظ، فقد تقل فرصته في إصدار الأصوات والمناغاة والتفاعل اللفظي مع المحيطين به. ولا تعني هذه الملاحظة أن اللهاية تسبب تأخر النطق بالضرورة؛ فالأدلة العلمية على وجود علاقة سببية مباشرة ما زالت محدودة. ومع ذلك، يُنصح بإتاحة الفرصة للطفل للتواصل واللعب والتعبير عن نفسه دون وجود اللهاية في فمه.
زيادة احتمالية انتقال الميكروبات
قد تصبح اللهاية مصدرًا للميكروبات إذا لم تُنظف بالشكل الصحيح، أو عند مشاركتها بين الأطفال، أو عند تنظيفها بفم أحد الوالدين. وقد يرتبط تلوثها بزيادة احتمالية حدوث بعض التهابات الفم، بما فيها العدوى الفطرية. ولذلك تُعد العناية بنظافتها جزءًا أساسيًا من الاستخدام الآمن.
ما العمر المناسب للتوقف عن استخدام اللهاية؟
من أكثر الأسئلة التي تُطرح في عيادات طب أسنان الأطفال: هل يجب إيقاف اللهاية عند عمر سنة أم سنتين أم ثلاث سنوات؟
وفقًا للأكاديمية الأمريكية لطب أسنان الأطفال (AAPD)، يُنصح بإنهاء عادات المص غير الغذائي، بما فيها استخدام اللهاية، بحلول عمر 36 شهرًا كحد أقصى، مع أهمية التدخل المبكر لتقليل احتمالية حدوث تغيرات في الأسنان والفكين
كيف نستخدم اللهاية بطريقة آمنة؟
للاستفادة من اللهاية وتقليل مخاطرها، يُنصح الآباء والأمهات باتباع الإرشادات التالية:
⦁ اختيار لهاية مناسبة لعمر الطفل، ويفضّل أن تكون مصنوعة من قطعة واحدة مع حاجز خارجي ثابت وفتحات للتهوية.
⦁ تنظيفها بانتظام وفق تعليمات الشركة المصنعة، واستبدالها عند ظهور علامات التلف أو التشقق.
⦁ تجنب تعليقها حول رقبة الطفل، أو ربطها بملابسه أثناء النوم، أو توصيلها بالألعاب المحشوة.
⦁ عدم إجبار الطفل على استخدامها إذا لم يكن يرغب فيها.
⦁ عدم استخدامها لتأخير الرضاعة أو إخفاء علامات الجوع.
⦁ تجنب غمس اللهاية في السكر أو العسل أو أي مواد محلاة؛ فالسكر يزيد خطر تسوس الأسنان، والعسل ممنوع تمامًا لمن هم دون عمر السنة بسبب خطر التسمم الوشيقي لدى الرضع.
وتستند هذه الاحتياطات إلى توصيات الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.
كيف نساعد الطفل على التخلي عن اللهاية دون ضغط نفسي؟
يمثل التوقف عن اللهاية تحديًا لدى بعض الأسر، خاصة عندما يرتبط استخدامها بالنوم أو الشعور بالأمان.
ومن المهم إدراك أن الهدف ليس انتزاع اللهاية من الطفل، بل مساعدته على الاستغناء عنها بطريقة تدريجية تتناسب مع عمره واحتياجاته.
يمكن البدء بتقليل استخدامها أثناء النهار، ثم تخصيصها لفترات النوم فقط، مع تقديم بدائل مناسبة مثل الاحتضان والحديث الهادئ وممارسة الأنشطة المحببة للطفل.
ويُفضّل تعزيز السلوك الإيجابي وتشجيع الطفل كلما استطاع الاستغناء عنها، مع تجنب التوبيخ أو السخرية أو العقاب.
كما يُنصح بعدم قص طرف اللهاية أو إتلافها عمدًا بهدف تنفير الطفل منها؛ لأن ذلك قد يجعلها غير آمنة ويزيد خطر انفصال أجزاء منها.
وتؤكد الأكاديمية الأمريكية لطب أسنان الأطفال أهمية استخدام التشجيع والمكافآت الإيجابية بدلًا من الأساليب القسرية عند مساعدة الطفل على التخلص من عادات المص.
متى تستدعي اللهاية زيارة طبيب أسنان الأطفال؟
لا ينبغي الانتظار حتى تصبح المشكلة واضحة أو تتأثر الأسنان الدائمة.
ويُنصح بمراجعة طبيب أسنان الأطفال في الحالات التالية:
⦁ ملاحظة وجود فراغ بين الأسنان الأمامية عند إغلاق الفم.
⦁ ظهور بروز غير طبيعي في الأسنان الأمامية.
⦁ وجود صعوبة في إطباق الأسنان أو تغير في طريقة العض.
⦁ استمرار الطفل في استخدام اللهاية بعد عمر ثلاث سنوات.
⦁ صعوبة التخلص من العادة رغم تكرار المحاولات.
كما توصي الأكاديمية الأمريكية لطب أسنان الأطفال بإجراء الزيارة الأولى لطبيب الأسنان خلال ستة أشهر من ظهور أول سن، وبما لا يتجاوز عمر السنة، بهدف تقييم صحة الفم والأسنان وتقديم الإرشادات الوقائية المناسبة.
الخلاصة: اللهاية ليست المشكلة... بل توقيت استخدامها ومدة استمرارها
اللهاية ليست عدوًا لصحة أسنان الطفل، كما أنها ليست ضرورة لكل طفل.
ففي الأشهر الأولى من العمر، قد تكون وسيلة مفيدة للتهدئة والمساعدة على النوم، إلا أن استمرار الاعتماد عليها مع تقدم العمر قد يحوّلها إلى عادة تؤثر في نمو الأسنان والفكين.
وهنا تكمن أهمية وعي الوالدين؛ فالممارسات البسيطة خلال السنوات الأولى قد يكون لها أثر كبير في صحة الفم والأسنان مستقبلًا.