الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ سبتمبر-٢٠٢٦       1870

بقلم: حمود بخيت الزهراني

ليست معركة الإدمان معركةَ فردٍ وحده، ولا تبدأ لحظة تناول المادة المخدرة، ولا تنتهي عند بوابة مركز العلاج. إنها قضية تتسلل إلى البيت، وتثقل كاهل الأسرة، وتترك آثارها في العلاقات والمشاعر والمستقبل؛ ولذلك فإن مواجهتها الحقيقية لا يمكن أن تكتمل من دون أن تكون الأسرة شريكًا أصيلًا في الوقاية والعلاج والتأهيل والتعافي.

 

ومن هنا تأتي أهمية الملتقى العلمي العالمي الثالث الذي تحتضنه المنطقة الشرقية يوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026م، برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية والرئيس الفخري للجمعية الخيرية للمتعافين من المخدرات والمؤثرات العقلية «تعافي»، وتنظمه الجمعية بالتعاون مع الجمعية السعودية لعلاج الإدمان، على مدى يومين في فندق شيراتون الدمام.

 

فالملتقى لا يبدو مجرد تجمع علمي للخبراء والمتخصصين، بقدر ما يمثل مساحة لإعادة النظر في طريقة التعامل مع قضية الإدمان؛ إذ يضع الأسرة في قلب المشهد، لا على هامشه، ويمنحها دورًا يتجاوز الانتظار والخوف إلى المشاركة في الوقاية والكشف المبكر والعلاج والتأهيل ودعم رحلة التعافي.

 

29 متحدثًا.. والعالم يلتقي في الشرقية

 

حين يجتمع 29 متحدثًا من المملكة العربية السعودية وست دول هي المملكة المتحدة ومصر وتركيا والمغرب واليونان وتايلند، فإننا أمام مساحة علمية تتجاوز تبادل الأوراق والمداخلات إلى تبادل الخبرات والتجارب، واستحضار نماذج دولية مختلفة في التعامل مع الإدمان وآثاره.

 

ويحمل الملتقى برنامجًا علميًا مكثفًا بواقع 10 ساعات تعليمية، إلى جانب جلسات علمية وورش عمل متخصصة، تبحث القضية من زوايا متعددة؛ نفسية واجتماعية وإعلامية ونظامية، في محاولة لتكوين رؤية أكثر شمولًا تتعامل مع الإنسان والأسرة والمجتمع باعتبارهم حلقات مترابطة في منظومة واحدة.

 

فالإدمان لا يعيش في فراغ، والمتعافي لا يعود إلى عالم منفصل عن أسرته ومجتمعه؛ ولذلك فإن نجاح العلاج لا يقاس فقط بالخروج من دائرة التعاطي، وإنما بقدرة الإنسان على استعادة حياته، واستعادة أسرته، واستعادة ثقته بنفسه ومكانه الطبيعي في المجتمع.

 

الأسرة.. من المتضرر إلى الشريك

 

أهم ما يميز هذا الملتقى أنه يضع الأسرة أمام مسؤوليتها ودورها، لكنه في الوقت ذاته يلتفت إلى معاناتها.

 

فوراء كل حالة إدمان أسرة عاشت الخوف والقلق والارتباك، وربما وقعت في ممارسات خاطئة بدافع الحب أو الخوف أو محدودية المعرفة بطبيعة المشكلة. ومن هنا تأتي أهمية مناقشة العوامل الأسرية التي قد تسهم في نشوء السلوكيات الإدمانية، وكيف يمكن للأسرة أن تكون خط الدفاع الأول من خلال الوقاية والكشف المبكر، ثم تتحول لاحقًا إلى عنصر دعم حقيقي في مراحل العلاج والتأهيل.

 

كما يناقش الملتقى الآثار النفسية والاجتماعية التي يتركها الإدمان على أفراد الأسرة، وما يرتبط بها من سلوكيات تمكينية واعتمادية مشتركة، وهي قضايا لا يمكن تجاهلها إذا كان الهدف هو الوصول إلى تعافٍ مستدام.

 

من العلاج إلى التعافي

الفرق كبير بين أن نعالج حالة، وأن نبني حياة جديدة.

 

فالعلاج قد يبدأ داخل عيادة أو مركز متخصص، لكن التعافي الحقيقي يستمر داخل الأسرة والمجتمع. ولهذا تتناول جلسات الملتقى التدخلات الأسرية واستراتيجيات دعم المتعافي خلال مراحل العلاج والتأهيل، وتبحث الأساليب الخاطئة في التعامل مع الإدمان، إلى جانب نماذج علاجية متخصصة، من بينها نموذج «ماتريكس»، ومجموعات المساندة الذاتية لأسر المتعافين.

 

وهنا تظهر قيمة الوعي؛ فأسرة تعرف كيف تتعامل مع الحالة تختلف كثيرًا عن أسرة تتحرك بدافع الخوف أو الإنكار أو النظرة السلبية.

 

القانون والإعلام والتقنية.. أضلاع أخرى في المواجهة

 

ولا تقف القضية عند الأسرة والعيادة؛ فالإدمان ملف مجتمعي تتداخل فيه التشريعات والإعلام والتقنية والمؤسسات المختلفة.

 

ولهذا يفتح الملتقى مساحة لمناقشة التمكين القانوني للأسرة، والأدوار التي يمكن أن تؤديها الجهات والمراكز ذات العلاقة في حماية الأسرة والمتعافين، إلى جانب بحث الفجوات النظامية التي قد تواجه الأسر في التعامل مع الآثار الممتدة للإدمان.

 

وفي الجانب الإعلامي، يناقش الملتقى كيفية تشكيل الوعي المجتمعي تجاه القضية، ودور الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي في الوقاية والعلاج، والأساليب الإعلامية القادرة على مساندة الأسرة خلال رحلة العلاج والتأهيل.

 

وهنا لا يصبح الإعلام مجرد ناقل للمعلومة، بل شريكًا في صناعة الوعي، وتصحيح المفاهيم، ومواجهة الصور النمطية التي قد تزيد من عزلة المتعافي وأسرته.

 

الشرقية.. منصة للمعرفة والشراكة

 

ويكتسب الملتقى أهمية إضافية من اتساع دائرة الجهات المستهدفة بالحضور والمشاركة؛ من المختصين في الوقاية والعلاج والتأهيل، إلى علماء النفس والاجتماع والخدمة الاجتماعية، والعاملين في قضايا الأسرة والإعلام والتوعية والنظام العدلي، فضلًا عن الجمعيات الأهلية والمؤسسات ذات الصلة والأسر المتأثرة بمشكلات الإدمان.

 

كما وُجّهت الدعوات إلى قطاعات الصحة والتعليم ومكافحة المخدرات والقطاعات الأمنية، بما يعكس حقيقة لا يمكن تجاوزها: لا جهة واحدة تستطيع أن تواجه الإدمان بمفردها.

 

إنها مسؤولية تتطلب تكامل الأدوار، وتوحيد الجهود، وتبادل المعرفة، وبناء شراكات تتعامل مع الوقاية بوصفها أولوية، ومع العلاج باعتباره بداية، ومع التأهيل والتعافي باعتبارهما رحلة تحتاج إلى مجتمع كامل.

 

الكلمة الأخيرة.. الإنسان أولًا

 

في النهاية، تبقى قضية الإدمان أكبر من الأرقام والبرامج والجلسات العلمية؛ إنها قضية إنسان.

 

إنسان قد يضل الطريق، لكنه يستطيع أن يعود. وأسرة قد تتعب، لكنها تستطيع أن تكون سندًا. ومجتمع يستطيع أن يفتح أبوابه للمتعافي بدل أن يغلقها أمامه.

 

ولعل الرسالة الأهم التي يمكن أن يحملها الملتقى العلمي العالمي الثالث هي أن التعافي ليس نهاية الإدمان فحسب، بل بداية حياة جديدة، وأن الأسرة ليست متفرجًا على هذه الرحلة، وإنما أحد أهم مفاتيح نجاحها.

 

ومن المنطقة الشرقية، حيث تلتقي الخبرة بالعلم، والتجربة بالمعرفة، تفتح «تعافي» نافذة جديدة للحوار حول واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا؛ حوارٌ لا يكتفي بتشخيص الألم، بل يبحث عن الطريق الذي يعيد للإنسان قدرته على الوقوف من جديد، ويمنح الأسرة ما تحتاجه لتكون شريكًا في النجاة، ويمنح المجتمع فرصة ليكون شريكًا في التعافي، لا مصدرًا للنظرة السلبية تجاه المتعافين .

 

آخر الكلام …

لو تفيد المدامع كان أسيّل نهر

 

مير كثر التوجّد والدمع ما يفيد ،،،