بقلم ـ عيسى المزمومي
ثمة وجوهٌ تبقى في الذاكرة لأنها صاحبة حكاياتٍ عظيمة، وثمة وجوهٌ أخرى تبقى لأنها مرّت بنا مرورًا عابرًا، ثم تركت في أرواحنا ما لا تتركه سنواتٌ من المعاشرة. ومن غرائب الحياة أن بعض الناس يعلّموننا أعظم الدروس وهم صامتون، وأن بعض الوجوه لا نراها إلا مرةً واحدة، لكنها تظل حاضرةً في أعماقنا ما بقي لنا من العمر بقية.
ومن بين الوجوه التي أقامت في ذاكرتي طويلًا، وجهُ رجلٍ لم أرَه قط.
بل إنني لا أعرف اسمه، ولا ملامحه، ولا عمره، ولا قصته، ولا من أي أبواب الحياة دخل، ولا من أي أبوابها خرج. ومع ذلك، بقي أثره في نفسي أعمق من أثر كثيرين عرفتهم سنواتٍ طويلة.
كان ذلك في أحد الأيام الهادئة من أواخر النهار، حين كنت أعبر أحد أحياء الدمام دون مقصدٍ خاص. كانت الشمس تميل إلى الغروب، والطرقات تستعد لاستقبال المساء، والناس منشغلين بشؤونهم اليومية المعتادة. ولم يكن في ذهني يومها ما يوحي بأن دقائق قليلة ستمنحني درسًا من تلك الدروس التي لا تُنسى.
لفت انتباهي تجمعٌ صغير عند بوابة مقبرة. لم يكن ازدحامًا يثير الفضول، ولا جنازةً ضخمةً تستدعي النظر، بل نفرٌ قليل من الرجال يقفون في صمت، ونعشٌ ينتظر أن يُحمل إلى مثواه الأخير.
اقتربت بدافع الفضول الإنساني الذي يدفع المرء أحيانًا إلى التوقف أمام مشهد الموت، لا حبًّا في الحزن، بل لأن للموت هيبةً تجبر القلوب على الإنصات.
سألت رجلًا كان يقف قريبًا مني:
— من المتوفى؟
نظر إليّ، ثم قال:
— رجلٌ من أهل الحي.
ثم سكت.
انتظرت أن يذكر اسمًا أو نسبًا أو قصة، لكنه لم يزد على ذلك شيئًا. بدا لي أنه لا يعرف أكثر مما قال، أو لعله يعرف ولا يجد ما يقوله.
وفي لحظةٍ لا أذكر كيف جاءت، وجدت نفسي أمد يدي إلى النعش، ثم أضع كتفي تحته.
لم يطلب مني أحد ذلك، ولم تكن بيني وبين الميت معرفة، لكن ثمة مواقف يتصرف فيها الإنسان بدافعٍ أعمق من التفكير. وكأن شيئًا في داخلي قال لي: إن كان الرجل قد رحل غريبًا، فلا أقل من أن يجد من يعينه في آخر الطريق.
كان النعش خفيفًا.
وما أقسى بعض الخفة!
شعرت، وأنا أحمله، أنني لا أحمل جسد رجلٍ فحسب، بل أحمل عمرًا كاملًا اختصرته الدنيا في ألواحٍ خشبية وكفنٍ أبيض. سنواتٌ من الضحك والبكاء، والأمل والخوف، والنجاح والإخفاق، انتهت كلها إلى هذا المشهد الصامت.
وكلما تقدمت خطواتٍ قليلة، ازداد في نفسي شعورٌ غريب؛ شعورٌ بأن الإنسان، مهما طال به العمر، ومهما امتلأت أيامه بالأحداث، فإنه في النهاية يتحول إلى ذكرى يحملها الناس على أكتافهم بضع دقائق، ثم يعود كل واحدٍ إلى حياته.
نظرت حولي.
كان المشيعون قليلين.
لا أصوات بكاء مرتفعة، ولا ازدحام سيارات، ولا وجوه أعرفها من علية القوم أو أصحاب النفوذ. مجرد رجالٍ بسطاء يؤدون واجبًا أخيرًا لإنسانٍ يستعد للدخول إلى عالمٍ لا يعود منه أحد!
وفي تلك اللحظة، تسلل إلى داخلي سؤالٌ لم أستطع الهرب منه:
من سيمشي خلف نعشي حين يأتي دوري؟!
ومن سيمشي خلف نعشك أنت، أيها القارئ؟!
ليس السؤال عن العدد؛ فالعدد كثيرًا ما يخدع، وإنما عن القلوب.
كم شخصًا سيأتي لأنك كنت حاضرًا في حياته؟
كم قلبًا سيدعو لك بصدق؟
كم إنسانًا سيشعر أن الدنيا فقدت برحيلك شيئًا من دفئها؟!
لقد رأيت في حياتي جنازاتٍ ضخمةً أغلقت الشوارع، وسارت خلفها جموعٌ لا تُحصى. ثم علمت بعد ذلك أن كثيرًا من أولئك المشيعين لم يأتوا للميت، بل لما يمثله الميت من مكانةٍ أو سلطةٍ أو نفوذ.
ورأيت، في المقابل، جنازاتٍ متواضعة لا يتجاوز عدد الحاضرين فيها أصابع اليدين، لكنها كانت مليئةً بدموعٍ صادقة وقلوبٍ مخلصة.
ومن يومها، أيقنت أن كثرة الأقدام لا تعني دائمًا كثرة المحبة، وأن أعظم ما يُهدى للميت ليس ازدحام الطرقات، بل الدعاء الصادق الخارج من قلبٍ عرفه وأحبه.
وصلنا إلى القبر.
أنزلنا النعش.
وتقدمت الأيدي في هدوء لتواري الرجل في مثواه الأخير.
كان المشهد بسيطًا إلى درجةٍ مؤلمة؛ دقائق معدودة، ثم انتهى كل شيء.
رفع أحد الحاضرين يديه بالدعاء، وردد الآخرون خلفه كلمات الاستغفار والرحمة، ثم بدأ الجمع الصغير يتفرق، كما تتفرق أسراب الطيور بعد انتهاء رحلتها.
أما أنا، فبقيت واقفًا.
لا لأنني أعرف الرجل، بل لأنني شعرت أن شيئًا ما في داخلي لم ينتهِ بعد.
كنت أفكر:
كيف يستطيع إنسان أن يعيش سنواتٍ طويلة بين الناس، ثم يرحل فلا يعرف كثيرون حتى اسمه؟
هل كان وحيدًا؟
هل اختار العزلة؟
أم أن الدنيا ضاقت عليه حتى انسحب منها بصمت؟
ولأنني لا أعرف حكايته، فقد رفضت أن أحكم عليه.
فما أكثر ما تظلمنا الظواهر!
كم من إنسانٍ عاش كريم النفس، محسنًا إلى الناس، ثم انتهى به العمر وحيدًا لا أهل له.
وكم من إنسانٍ ملأ الدنيا ضجيجًا حوله، ثم لم يترك في القلوب أثرًا يوازي ذلك الضجيج.
لهذا، لم يخرج ذلك الرجل من ذاكرتي باعتباره مثالًا للوحدة أو العزلة، بل خرج منها باعتباره مرآةً رأيت فيها نفسي.
فقد أدركت يومها أن الموت لا يأتي ليعلّمنا كيف نموت؛ فالموت قدرٌ لا يملك أحدٌ تفاصيله، لكنه يأتي ليعلّمنا كيف نحيا!
حين تقف أمام قبرٍ، ولو كان قبر غريب، تتضاءل فجأةً كل المعارك الصغيرة التي استنزفت أعصابك. تبدو الخصومات تافهة، والأحقاد سخيفة، والمنافسات التي كنت تظنها عظيمة أشبه بألعاب الأطفال.
هناك فقط يفهم الإنسان أن العمر أقصر من أن يُهدر في العتاب الطويل، وأقصر من أن يُستهلك في جمع ما سيتركه وراءه.
فما يبقى للإنسان ليس ما جمعته يداه، بل ما زرعه في قلوب الناس.
وما يرافقه إلى قبره ليس عدد ممتلكاته، بل عدد الدعوات التي تخرج له بعد رحيله.
عدت إلى منزلي في ذلك المساء وأنا أشعر أنني شيّعت أكثر من رجل.
شيّعت شيئًا من غروري.
وشيّعت شيئًا من انشغالي بما لا يستحق الانشغال.
وشيّعت وهمًا قديمًا كان يوهمني أن قيمة الإنسان تُقاس بما يملك، أو بما يحيط به من صخب.
لقد علّمني رجلٌ مجهول، وهو صامتٌ في نعشه، ما لم تعلّمنيه خطبٌ طويلة ولا مواعظ كثيرة.
علّمني أن الحياة كلها ليست سوى إعدادٍ للحظةٍ أخيرة؛ لحظةٍ يُسأل فيها المرء عمّا تركه في القلوب قبل أن يُسأل عمّا جمعه في الدنيا.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت بمقبرة أو شهدت جنازة، عاد ذلك الوجه الذي لم أره قط، وعاد ذلك النعش الذي حملته دقائق معدودة، وعادت معه الحقيقة التي يحاول الناس نسيانها كل يوم:
أننا جميعًا مسافرون إلى الوجهة نفسها.
وأن الفارق بيننا لن يكون في طول الطريق، ولا في زينة المتاع، وإنما في الأثر الذي سنتركه خلفنا حين نرحل.
لقد حملت يومًا نعش رجلٍ لا أعرفه، لكنني عدت من تلك الجنازة أعرف نفسي أكثر مما كنت أعرفها من قبل.
وتلك، في ظني، واحدةٌ من أغرب الهدايا التي يمكن أن يمنحنا إياها الغرباء.
رحم الله ذلك الرجل، أينما كان اسمه، وأيًّا كانت حكايته؛ فقد مضى إلى ربه، وبقي في ذاكرتي وجهٌ لم أره، ودرسٌ لن أنساه ما حييت!
ملاحظة :
شذرات من كتاب «يوميات خارج المألوف»… عملٌ قيد الإصدار، ويصدر قريبًا بإذن الله.