الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ سبتمبر-٢٠٢٦       2640

بقلم : د. نهى منسي حسن

حين نذكر كلمة وطن، تتبادر إلى الذهن صور كثيرة: أرضٌ نعرف ملامحها، وسماءٌ ألفناها، وبيوتٌ تختزن تفاصيل طفولتنا، ووجوهٌ ارتبطت في ذاكرتنا بمعنى الأمان. لكن الوطن، في حقيقته الأعمق، أكبر من المكان؛ إنه الفكرة التي تمنح المكان معناه، والعلاقة التي تجعل الإنسان يرى في الأرض التي ينتمي إليها جزءًا من ذاته ومستقبله.

 

ولذلك، فإن قيمة الوطن لا تُقاس فقط باتساع حدوده أو حجم موارده أو حضوره في ميزان القوة، وإنما تُقاس أيضًا بما يصنعه من إنسان، وما يتيحه من فرص، وما يتركه من أثر في وعي أبنائه. فالأوطان لا تصبح عظيمة بما تملكه فحسب، وإنما بما تستطيع أن تصنعه من طموح، وما تمنحه من قدرة على تحويل الإمكان إلى إنجاز.

 

ومن هذا المنظور، يصبح الانتماء مفهومًا يتجاوز المشاعر إلى المسؤولية. فأن تحب وطنك يعني، في أحد أبعاده، أن تسأل نفسك: ماذا أضيف إليه؟ ماذا أترك بعدي؟ وهل أؤدي دوري، مهما بدا صغيرًا، بالصورة التي يستحقها هذا الوطن؟

 

ولعل هذه الأسئلة أكثر أهمية من تكرار الحديث عن حب الوطن؛ لأن الأوطان لا تحتاج إلى مزيد من العبارات بقدر ما تحتاج إلى مزيد من العمل. فالمعلم الذي يزرع المعرفة في عقول طلابه، والباحث الذي ينتج معرفة جديدة، والطبيب الذي يمارس مهنته بأمانة، والمهندس الذي يشارك في بناء المدن، والكاتب الذي يرفع مستوى الوعي، والطالب الذي يصر على أن يكون متعلمًا حقيقيًا؛ جميعهم، في مواقعهم المختلفة، يكتبون فصولًا من قصة الوطن.

.

 

ولأنني أنظر إلى الوطن من موقع أكاديمي، أؤمن أن مسؤولية الجامعة لا تنتهي عند تخريج طالب يحمل شهادة، وإنما تبدأ حين تخرج إنسانًا يمتلك القدرة على التفكير، والحوار، والبحث، وتحمل المسؤولية. فالمعرفة التي لا تنعكس على المجتمع تظل ناقصة، والتعليم الذي لا يصنع وعيًا لا يستطيع وحده أن يصنع نهضة.

 

وفي المقابل، فإن الحفاظ على الهوية لا يعني الوقوف في وجه التغيير. على العكس، ربما تكون قوة الهوية الحقيقية في قدرتها على استيعاب التحول دون أن تفقد جوهرها. وهذا ما تحتاجه الأوطان في زمن تتداخل فيه الثقافات والأفكار والتقنيات: أن تنفتح على العالم دون أن تذوب فيه، وأن تتقدم نحو المستقبل دون أن تقطع صلتها بجذورها.

 

والهوية الوطنية، في هذا السياق، ليست مجرد رموز نحتفي بها في المناسبات، وإنما وعيٌ يومي يتجلى في اللغة، والسلوك، والعمل، واحترام النظام، وصون الممتلكات العامة، والاعتزاز بالثقافة، وقبول الاختلاف، والإحساس بأن ما نفعله في حياتنا الخاصة يمكن أن تكون له نتائج في حياتنا العامة.

 

ولذلك ربما يكون أجمل تعريف للوطنية هو أن يؤدي الإنسان عمله وكأنه مسؤول عن جزء من صورة وطنه.

 

فالوطن لا يُبنى فقط في مواقع المشروعات الكبرى، وإنما في قاعة المحاضرة، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي المختبر، وفي المكتب، وفي المصنع، وفي كل مكان يقرر فيه الإنسان أن يكون أكثر إتقانًا وصدقًا ومسؤولية.

 

إن عظمة الوطن ليست قصة تُروى عن الماضي فحسب، بل مشروع يُكتب كل يوم. وكل جيل يتسلم هذا المشروع من الجيل الذي سبقه، ثم يضيف إليه ما يستطيع، قبل أن يسلمه إلى من يأتي بعده.

 

وربما لهذا يبدو الوطن مختلفًا عن كل الأمكنة الأخرى؛ لأننا لا نعيش فيه فقط، بل نشارك في صياغة صورته، ويحمل كل واحد منا مسؤولية جزء من مستقبله.

 

وإذا كان الفخر بالوطن شعورًا جميلًا، فإن الأجمل أن يتحول هذا الشعور إلى أثر.

 

أن نترك وراءنا علمًا نافعًا، أو طالبًا أصبح أكثر وعيًا، أو فكرةً وجدت طريقها إلى التطبيق، أو عملًا أُنجز بإتقان، أو أثرًا طيبًا في حياة إنسان.

 

عندها فقط يصبح الانتماء أكثر من كلمة، والوطن أكثر من مكان.

 

يصبح مسؤولية نعيشها، ومعنى نصنعه، ومستقبلًا نشارك في كتابته.

 

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها، ووفق أبناءها وبناتها ليكونوا شركاء في صناعة مستقبل يليق بتاريخها وطموحها ومكانتها.