الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ سبتمبر-٢٠٢٦       4180

بقلم -مبارك بن عوض الدوسري

ليست كل مسيرة كشفية تُقاس بعدد السنوات التي قضاها صاحبها في الميدان، ولا بعدد المناصب التي تقلدها، فهناك فارق كبير بين من يشغل موقعاً في الحركة الكشفية، ومن يجعل من كل موقع فرصة للبناء وترك الأثر؛ والدكتور عبدالله بن عمر جحلان ينتمي إلى الفئة الثانية؛ قيادي تشكلت تجربته في الميدان، وتدرج في المسؤوليات، وحمل ملفات متعددة، وظل في كل محطة يضيف إلى العمل شيئاً يبقى بعد انتهاء المهمة.
من مكة المكرمة بدأت الحكاية؛ من واحدة من أهم البيئات التي صنعت عبر عقود قيادات كشفية أسهمت في خدمة الحجاج وفي ترسيخ حضور الكشافة السعودية؛ فهناك اقترب عبدالله بن جحلان من العمل الكشفي في تفاصيله اليومية، واكتسب من الميدان ما لا تمنحه الكتب وحدها، فكان التدرج الطبيعي في المسؤوليات امتداداً لتجربة بدأت بين الكشافين والقادة والعمل المباشر.
ثم انتقلت تجربته إلى وزارة التعليم، حيث تولى الإشراف العام على النشاط الكشفي، في قطاع يمثل أكبر قاعدة للعمل الكشفي بالمملكة؛ وكانت تلك محطة مهمة في مسيرته، شارك خلالها مع زملائه في تطوير العمل والارتقاء به، كما ترأس عدداً من الوفود الكشفية السعودية في المشاركات الخارجية، فكان محل ثقة في تمثيل وطنه وكشافي المملكة في المحافل الدولية.
وفي جمعية الكشافة العربية السعودية، اتسعت دائرة المسؤوليات، فتولى مواقع متعددة، منها أمين مساعد للشؤون الفنية، ومفوض لخدمة وتنمية المجتمع، ومفوض لتنمية العضوية ومتابعة القطاعات، إلى جانب عمله في عدد من المراحل والملفات الكشفية؛ ولم تكن تعدد المسؤوليات مجرد انتقال بين مواقع، بل كانت انتقالاً بين تحديات جديدة، وهو ما عُرف به بن جحلان بوصفه من القيادات التي يُعهد إليها بالملفات التي تحتاج إلى تأسيس أو تطوير أو معالجة دقيقة ونفس طويل.
ومن المحطات التي تكشف طبيعة هذه التجربة ملف مشاركة الكشافة السعودية في الجامبوري العالمي الحادي والعشرين في المملكة المتحدة عام 2007، الذي تزامن مع الاحتفال بمرور مئة عام على تأسيس الحركة الكشفية، وشهد مشاركة أكثر من 40 ألف كشاف من مختلف أنحاء العالم؛ كما حمل ملفات تنمية العضوية والتكريم الكشفي، وأسهم في تأسيس وتطوير الدراسة المتقدمة المتخصصة في خدمة وتنمية المجتمع، وهي تجربة جديدة آنذاك استطاع أن يقدم لها رؤى ومقترحات أسهمت في استمرارها وتطورها.
وفي معسكرات الخدمة العامة بمكة المكرمة والمشاعر المقدسة، ظهرت ملامح القيادة الميدانية بوضوح؛ فتولى قيادة المعسكرات والمجموعات، وتعامل مع متطلبات العمل وشركائه بروح مؤسسية، وأسهم في بناء شراكات مع قطاعات مختلفة، مستنداً إلى قناعة بأن نجاح العمل الكشفي لا يصنعه الفرد وحده، وإنما تصنعه فرق العمل، وحسن التنظيم، والثقة المتبادلة؛ كما واصل حضوره عربياً ممثلاً للمملكة في عدد من المهام والمشاركات، وتولى مسؤوليات على المستوى الكشفي العربي، حتى منحته اللجنة الكشفية العربية قلادة الكشاف العربي تقديراً لجهوده وإسهاماته المحلية والإقليمية.
ورغم تعدد المواقع والملفات، ربما كان الجانب الإنساني هو الأكثر حضوراً في شخصيته؛ ابتسامة تستقبل الآخرين، وطيبة قلب، وقدرة على كسب الناس وبناء العلاقات، وهي صفات تمنح القيادة معناها الحقيقي؛ فالقائد لا يترك أثره بكثرة ما يقول، وإنما بما يفعله، وبالطريقة التي يجعل بها من يعملون معه أكثر قدرة على العطاء.
لهذا لا تبدو تجربة عبدالله بن جحلان مجرد صفحات في سجل العمل الكشفي السعودي، بل مسيرة تتحدث عنها مواقع عمل متعددة، وملفات تأسيس وتطوير، وميدان خدمة الحجاج، ومشاركات خارجية، وأجيال من الكشافين والقادة الذين عايشوا تجربته؛ فالمناصب تتغير، والمهام تنتقل من شخص إلى آخر، لكن الأثر الذي يصنعه القائد بإخلاص يبقى في الميدان، وتظل قيمته حاضرة في ذاكرة من عملوا معه، وربما كانت هذه هي العلامة الأصدق على حسن القيادة.