الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ سبتمبر-٢٠٢٦       3795

النهار : د. نجوى الكحلوت

في هذا اليوم العالمي، يتجلّى لنا اسمٌ من أسماء الله الحسنى، يربطنا بقيمةٍ عليا تتجاوز حدود المناسبة إلى جوهر الحياة: السلام.

فـ«السلام» اسمٌ لله تعالى، ومعناه المتصل بالسلامة والأمان والطمأنينة، وهو معنى يتردد في حياة المسلم؛ به يحيّي من يلقى: السلام عليكم، وينثر مع هذه التحية وابلًا من الأمان والسكينة.

وحين جعل الإسلام السلام تحيةً، فإنه يؤكد على فعلٍ يتجاوز اللفظ إلى السلوك؛ فالسلام موقف في التعامل، وأدب في الاختلاف، ورحمة في العلاقات، وعدل يحفظ للإنسان كرامته.

ويأخذ السلام في القرآن صورًا متعددة؛ فهو تحية أهل الجنة: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: 23]، وهو أيضًا طريقة في مواجهة الجهل والاستفزاز: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. وهنا ينتقل السلام من كونه أمنًا بين الناس إلى خُلُقٍ يضبط ردود أفعال الإنسان عند مواجهة ما يستفزه.

ولا يكتمل السلام في صورته الأعمق حتى يسكن داخل الإنسان نفسه؛ فالنفس المطمئنة أقدر على منح الطمأنينة، والقلب الذي يعرف العفو يترفع عن الخصومة، والإنسان الذي يحفظ للآخر كرامته يسهم في صناعة السلام على الأرض التي كُلّفنا بعمارتها.

وفي أمر الحبيب صلى الله عليه وسلم بإفشاء السلام، كما جاء في الحديث الصحيح: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، رواه مسلم؛ تتجلى صلة السلام بالإيمان والمحبة، وما يصنعه من وشائج تقطع أسباب الشحناء والضغينة.

فإفشاء السلام أن تُضمر الخير للآخرين، وأن تعاهد نفسك على قطع نية الإيذاء وسوء الظن، وأن تكون عنصر بناء ورحمة بين الناس، لا سببًا في الفرقة والقسوة.

ومن هنا يصبح السلام مسؤولية فردية قبل أن يكون شعارًا عالميًا. يبدأ بكلمة، وبنبرة، وبموقف، وبقدرة على الاختلاف من غير أن يتحول الاختلاف إلى خلاف.

وفي عالم تتعدد فيه أسباب الصراع، تظل القيم التي تحفظ للإنسان أمنه وكرامته حاجةً مشتركة بين البشر. وربما كان أجمل ما نتأمله في هذا اليوم أن السلام الذي نرجوه للعالم يمكن أن يبدأ من دوائر صغيرة جدًا: بيتٍ تسكنه المودة، وصداقةٍ يحفظها الوفاء، ومجلسٍ يسوده الاحترام، وقلبٍ اختار أن يترك خلفه أثرًا طيبًا.

السلام اسمٌ من أسماء الله الحسنى، وقيمةٌ من قيم الدين، ورسالةٌ إنسانية تبدأ من الإنسان وتمتد إلى من حوله.